البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠٠
حاول الاِخلاص في جمع كلمة المسلمين، من أراد فليرجع إلى تفسيره [ ١ ] وله كلام في تفسير قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «لو كشفه لاَحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». قال: والمعنى أنّ النور العظيم هو الحجاب الذي يحول بينه وبين خلقه وهو بقوته وعظمته ملتهب كالنار، ولذلك رأى موسى ( عليه السلام ) عند ابتداء الوحي ناراً في شجرة توجه همه كلّه إليها فنودي الوحي من ورائها، وفي التوراة أنّ الجبل كان في وقت تكليم الربّ لموسى ( عليه السلام ) وإيتائه الاَلواح مغطّى بالسحاب.
ورأى النبي الخاتم الاَعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليلة المعراج نوراً من غير نار وربّما كان هذا أعلى، ولكنّه كان حجاباً دون الروَية أيضاً، فقد سأله أبو ذر (رض) وقال: هل رأيت ربّك؟ فقال: «نور، أنا أراه؟» وفي رواية أُخرى: «رأيت نوراً» ومعناها معاً رأيت نوراً منعني من روَيته لا أنّه تعالى نور، وأنّه لذلك لا يرى، وهذا يتلاقى ويتفق مع قوله: «حجابه نور» ولذلك جعلنا أحاديث النور شاهداً واحداً في موضوعنا، وهي تدل على عدم روَية ذات اللّه عزّ وجلّ وامتناعها [ ٢ ].
السادس: إنّ القائلين بالروَية على فرقتين، فرقة تعتمد على الاَدلّة العقلية دون السمعية، وفرقة أُخرى على العكس.
فمن الاَُولى سيف الدين الآمدي (٥٥١ ـ ٦٣١) يقول: لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية وهي ممّا يتقاصر عن إفاداة القطع واليقين، فلا يذكر إلاّ على سبيل التقريب [ ٣ ].
ومن الثانية، الرازي في غير واحد من كتبه فقال: إنّ العمدة في جواز الروَية
[١]الاِمام عبده: المنار: ٩|١٤٠ وما بعدها.
[٢]الاِمام عبده: المنار: ٩|١٩٠.
[٣]الآمدي: غاية المرام في علم الكلام: ١٧٤.