البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٨ - الأُولى لو كانت ممتنعة لما سألها الكليم
إيّاك، فأحياهم اللّه وبعثهم معه.
فقالوا: إنّك لو سألت اللّه أن يريك أن تنظر إليه لاَجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته، فقال موسى ( عليه السلام ): يا قوم إنّ اللّه لا يُرى بالاَبصار ولا كيفية له، وإنّما يعرف بآياته ويعلم باعلامه، فقالوا: لن نوَمن لك حتى تسأله، فقال موسى ( عليه السلام ) : يا رب إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى اللّه جلّ جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أُوَاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى ( عليه السلام ): («ربِّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل (بآية من آياته) جعله دكّاً وخرَّ موسى صعقا فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك (يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي) وأنا أوّل الموَمنين») منهم بأنّك لا ترى.
فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن.
والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وقد أخرجه الصدوق بتمامه في كتاب عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) [ ١ ].
وللزمخشري في المقام تفسير رائع قال: ما كان طلب الروَية إلاّ ليبكت هوَلاء الذين دعاهم سفهاء وضُلاّلاً وتبرأ من فعلهم، وذلك أنّهم حين طلبوا الروَية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبّههم على الحق فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، وقالوا لابد، ولن نوَمن حتى نرى اللّه جهرة، فأراد أن يسمعوا النص من عند اللّه باستحالة ذلك وهو قوله: («لن تراني») ليتيقّنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة فلذلك قال: («ربِّ أرني أنظر إليك») [ ٢ ].
وعلى كل تقدير فما ذكره صاحب الكشاف قريب ممّا ذكرناه، وكلا
البيانين يشتركان في أنّ السوَال لم يكن بدافع من نفس موسى بل بضغط من
قومه.
[١]الصدوق: التوحيد: باب ما جاء في الروَية: ص ١٢١ برقم ٢٤.
[٢]الزمخشري: الكشاف: ١|٥٧٣ ـ ٥٧٤ ط مصر.