البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١١ - الاستدلال عن طريق الكتاب
لتكرّره، وتشهد بذلك فروع فقهية لم يقل أحد من الفقهاء فيها بالتكرار بضم عدد فوق الواحد. مثلاً اعتبر في اللعان شهادات أربع، فلا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله «أربعا». وفصول الاَذان المأخذوة فيها التثنية، لا يتأتّى التكرار فيها بقراءة واحدة واردافها بقوله «مرتين» ولو حلف في القسامة وقال: «أُقسم باللّه خمسين يميناً أنّ هذا قاتله» كان هذا يميناً واحداً. ولو قال المقرّ بالزنا: «أنا أُقرّ أربع مرّات أنّي زنيت» كان اقراراً واحداً، ويحتاج إلى اقرارات، إلى غير ذلك من الموارد التي لا يكفي فيها العدد عن التكرار.
قال الجصاص: («الطلاق مرّتان») ، وذلك يقتضي التفريق لا محالة، لاَنّه لو طلّق اثنتين معاً لما جاز أن يقال: طلّقها مرّتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين، حتى يفرق الدفع، فحينئذ يطلق عليه، وإذا كان هذا هكذا، فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لاَدّى ذلك إلى اسقاط فائدة ذكر المرّتين، إذ كان هذا الحكم ثابتاً في المرة الواحدة إذا طلّق اثنتين، فثبت بذلك أنّ ذكر المرتين إنّما هو أمر بايقاعه مرتين، ونهى عن الجمع بينهما في مرّة واحدة [ ١ ].
هذا كلّه إذا عبّـر عن التطليق ثلاثاً بصيغة واحدة، أمّا إذا كرّر الصيغة كما عرفت، فربّما يغتر به البسطاء ويزعمون أنّ تكرار الصيغة ينطبق على الآية، لكنّه مردود من جهة أُخرى وهي:
أنّ الصيغة الثانية والثالثة تقعان باطلتين لعدم الموضوع للطلاق، فإنّ الطلاق إنّما هو لقطع علقة الزوجية، فلا زوجية بعد الصيغة الا َُولى حتى تقطع، ولا رابطة قانونية حتى تصرم.
وبعبارة واضحة: إنّ الطلاق هو أن يقطع الزوج علقة الزوجيّة بينه وبين
[١]الجصاص: أحكام القرآن : ١|٣٧٨.