البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦ - ١ـ المبالغة في التعبّد للّه تعالى
الاِخصاء فقال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «ليس منّا من خصي أو اختصى إنّ اختصاء أُمّتي الصيام »،إلى أن قال : ائذن لي في الترهّب، قال: «إنّ ترهّب أُمّتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة» [ ١ ] فإنّ المبتدع ربّما يتصوّر أنّ ما اخترعه من طريقة توصله إلى رضا اللّه سبحانه أكثر ممّا رسمه صاحب الشريعة، فلاَجل ذلك يترك قول الشارع ويعمل طبق فكرته ويذيع ذلك بين الناس باسم الشرع، ولهذا أيضاً شواهد في التاريخ نقتطف منها ما يلي:
أ ـ روى جابر بن عبد اللّه: إنّ رسول اللّه كان في سفر فرأى رجلاً عليه زحام قد ظُلِّل عليه فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم، قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «ليس من البرّ الصيام في السفر» [ ٢ ].
ب ـ روى الكليني عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) قال: إنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلمّا انتهى إلى كُراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشرب وأفطر ثم أفطر الناس معه وثمَّ أُناس على صومهم فسمّاهم رسول اللّه العصاة وإنّما يوَخذ بآخر أمر رسول اللّه [ ٣ ].
فإنّ الاِنسان المتزمّت يتخيّل أنّه لو سافر صائماً يكن عمله أكثر قبولاً عند اللّه تبارك وتعالى، ولكنّه غافل عن مناطات التشريع وملاكاتها العامّة التي توجب الاِفطار في السفر ليكون الدين رفقاً بالاِنسان يجذب الناس إليه، قال سبحانه: («وما جَعَلَ عَلَيكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ») (الحج ـ ٧٨).
ج ـ روى مالك في الموطأ: إنّ رسول اللّه رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال:
[١]الشاطبي: الاعتصام: ١|٣٢٥.
[٢]أحمد بن حنبل: المسند: ٣|٣١٩ و ٣٩٩، لاحظ الفقيه للصدوق: ٢|٩٢ الحديث ٢.
[٣]الكليني: الكافي: ٤|١٢٧ ح٥ باب كراهية الصوم في السفر .