البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠١ - ٣ ـ خضوعها للبرهان العقلي
وهذا هو الذي يفرض علينا أن لا نصكّ أذاننا عن صوت العقل ونقف على أنّ العمود الفقري للعقائد التي يبنى عليها صَرح النبوة المحمدية ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو اتّباع العقل ودلالته، ولذلك نرى أنّ الكتاب العزيز يتوصل في إثبات هذا الاَصل من الاَُصول بدلالة العقل وإرشاده، فيستدلّ على أُصول التوحيد بقضاء العقل ويتكلّم باسم العقل ويقول: («لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبحانَ اللّهِ رَبِّ العَرشِ عَمّـا يَصِفُونَ») (الاَنبياء |٢٢) فيستدل على توحيده ونفي الاِله المتعدّد بقضية شرطية وهي ترتّب الفساد في الكون على تعدد الآلهة.
ويقول سبحانه: («مَا اتَّخذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِنْ إلهٍ إذاً لَذَهبَ كُلُّ إلهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعضُهُمْ عَلى بَعضٍ سُبحانَ اللّهِ عَمّـا يَصِفُونَ») (الموَمنون|٩١).
ويقول سبحانه: («قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذاً لاَبْتَغَوْا إلى ذِي العَرشِ سَبيلاً») (الاِسراء |٤٢)، فالآيات الثلاث على اختلافها في الاِجمال والتفصيل تحتوي برهاناً مشرقاً خالداً على جبين الدهر.
ويقول سبحانه: («أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَـيءٍ أَمْ هُمُ الخالِقُونَ») (الطور|٣٥) فيستمد من الفطرة في إبطال وجود الممكن وتحقّقه بلا علّة وصانع.
نرى أتقن البراهين وأوضحها في إبطال ربوبية الاَجرام السماوية من
خلال مناظرة إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) مع عبدتها فيستدل بالاَُفول على
بطلان ربوبيتها ضمن آيات، قال سبحانه: («وكذلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكوتَ
السَّمواتِ والاَرضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ * فَلَمّا جَنَّ عَلَيهِ الَّيْلُ رَءَا كَوكَباً قالَ هذا
رَبِّي فَلَما أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلينَ * فَلَمّا رَءَا القَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّـا أَفَلَ
قالَ لَئِنْ لَـمْ يَهْدِنِـي رَبِّي لاَََكُونَنَّ مِنَ القوم الضّالِّينَ * فَلَمّا رَءَا الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ
هذا ربِّي هذا أكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوم إِنّي بَرِيءٌ ممّا تُشْرِكُونَ * إنِّي وَجَّهْتُ
وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمواتِ والاَرضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ») (الاَنعام
|٧٥ـ ٧٩) .