البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٢ - ٣ ـ خضوعها للبرهان العقلي
فقد بلغ الخليل النهاية في مجال المعرفة على وجه رأى ملكوت السموات والاَرض فأراه سبحانه ملكوتهما، أي كونهما قائمين باللّه سبحانه وما ذلك إلاّ ليكون موقناً ومذعناً لاَصول الوحيد، وما أراه ملكوت السموات والاَرض إلاّ بإلهامه البرهان الدامغ الذي أثبت به بطلان ربوبية الكوكب والقمر والشمس وانتهى في آخره إلى أنّه لا إله إلاّ هو، وقال بعد ذكر البراهين («إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمواتِ والاَرضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ») (الاَنعام|٧٩) .
فهذه الآيات ونظائرها تكشف عن أصل مو ضوعي في الشريعة الاِسلامية، وهو أنّ الغاية من طرح الاَُصول العقائدية هي الوصول إلى الاِذعان واليقين لا التعبّد بها دون يقين، وهذا يفرض علينا أن نفتح مسامعنا لنداء العقل ودعوته خصوصاً في الاَُصول الاَولية التي تُبنى عليها نبوّة النبي الاَكرم، فمن حاول إعدام العقل ورفضه عن ساحة البحث، والاكتفاء بالنص فقد لعب على حبل خاسر إذ أنّ بديهة العقل تحكم بأنّ الاكتفاء بالسمع في عامّة الاَُصول مستلزم للدور وتوقف صحّة الدليل على ثبوت المدعى وبالعكس.
إنّ رفض العقل في مجال البرهنة على العقيدة عند بعض الفرق صار سبباً لتغلغل العقائد الخرافية بين لفيف من الطوائف الاِسلامية، وفي ظل هذا الاَصل أي إبعاد العقل عن الساحة دخلت أخبار التجسيم والتشبيه في الصحاح والمسانيد عن طريق مستسلمة الاَحبار والرهبان الذين تظاهروا بالاِسلام وأبطنوا اليهودية والنصرانية وخدعوا عقول المسلمين، فحشروا عقائدهم الخرافية بين المحدّثين والسُّذَّج من الناس اغتراراً بإسلامهم وصدق لهجتهم.
إنّ من مواهبه سبحانه للاِنسان أنّه أنار مصباح العقل في كل قرن وزمان ليكون حصناً أمام نفوذ الخرافات والاَوهام إلى ذهنه وفكره، وليميّز به الاِنسان الحقَّ عن الباطل فيما له فيه حقّ القضاء، وكلامنا هذا لا يعني إلى أنّ المرجع