البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠٥
لحق حال النضج وأدرك الزرع والثمرة، وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال، وإدراك البصر للشيء لحوقه له بروَيته إيّاه، لاَنّه لا خلاف بين أهل اللغة أنّ قول القائل أدركت ببصري شخصاً معناه رأيته ببصري ولا يجوز أن يكون الاِدراك الاِحاطة، لاَنّ البيت محيط بما فيه وليس مدركاً له فقوله تعالى: («لا تدركه الاَبصار ») معناه لا تراه الاَبصار وهذا بمدح ينفي روَية الاَبصار كقوله تعالى: («لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولاَ نَوْم») [ ١ ]وما تمدّح اللّه بنفيه عن نفسه فإنّ إثبات ضده ذمٌّ ونقص فغير جائز إثبات نقيضه بحال كما لو بطل استحقاق الصفة بـ («لا تأخذه سنة ولا نوم») لم يبطل إلاّ إلى صفة نقص، فلمّـا تمدح بنفي روَية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال، إذ كان فيه إثبات صفة نقص.
ولا يجوز أن يكون مخصوصاً بقوله تعالى: («وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرةٌ * إلى ربِّها ناظِرة») [ ٢ ]لاَنّ النظر محتمل لمعان منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف، فلما كان ذلك محتملاً للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه، والاَخبار المروية في الروَية إنّما المراد بها العلم لو صحت وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك، لاَنّ الروَية بمعنى العلم مشهورة في اللغة [ ٣ ].
العاشر: إنّ من كتب حول الروَية من إخواننا أهل السنّة ـ من غير فرق بين النافي والمثبت ـ فقد دقّ كل باب، ورجع إلى كل صحابي وتابعي، ومتكلم و فيلسوف، ولكن لم يدق باب أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) أحد الثقلين اللّذين تركهما النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لهداية الاَُمّة وفي مقدمتهم الاِمام علي ( عليه السلام ) باب علم النبي
[١]البقرة: ٢٥٥.
[٢]القيامة: ٢٢ ـ ٢٣.
[٣]محمد بن علي الرازي الجصاص: أحكام القرآن: ٣|٤.