البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧
إنّ حق التشريع والتقنين للّه تبارك وتعالى وقد استأثر به وقال: («إنِ الحُكْمُ إلاّ لِلّهِ أمَرَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاهُ») (يوسف ـ ٤٠) والمراد من الحكم هو التشريع بقرينة قوله: («أمرَ ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه») فالبدعة هو تشريك الناس في ذلك الحق المستأثر، ودفع زمام الدين إلى أصحاب الاَهواء كي يتلاعبوا في الشريعة كيفما شاءوا، وكيفما اقتضت مصلحتهم ومصلحة أسيادهم وأربابهم، فذلك الحق المستأثر يقتضي ألاّ يتدخّل أحد في سلطان اللّه وحظيرته، قال سبحانه: («وما كانَ لِمُوَْمِنٍ ولا مُوَْمِنَةٍ إذا قَضَـى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ من أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ ورسولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً») (الاَحزاب ـ ٢٦).
إنّ المبتدع يتصرف في التشريع الاِسلامي فيجعل منه حلالاً وحراماً بدون إذن منه سبحانه وفي ذلك يقول سبحانه:
(«قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أنزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعلتُمْ مِنْهُ حَراماً وحَلالاً قُلْ ءَآللّهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُونَ») (يونس ـ ٥٩) الآية واردة في عمل المشركين، حيث جعلوا ما أنزل اللّه لهم من الرزق بعضه حراماً وبعضه حلالاً فحرّموا السائبة والبحيرة والوصيلة ونحوَها فرد عليهم سبحانه وقال: («ءَآللّهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُونَ») أي أنّه لم يأذن لكم في شيء من ذلك، بل أنتم تكذبون على اللّه، ثم يهددهم بالعذاب فيقول: («وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ يَومَ القِيامَةِ إنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولكنَّ أكثَرَهُمْ لا يَشْكُرونَ») (يونس ـ ٦٠) ويوَكد عليه في آية أُخرى ويقول سبحانه: («ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ لِتَفتَـرُوا عَلى اللّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ») (النحل ـ ١١٦).
إنّ أصحاب الاَهواء في كلّ زمان حتى في عصر الرسالة كانوا يقترحون على النبيّ الاَكرم أن يغيّر دينه ويأتي بقرآن غير هذا، حتى يكون مطابقاً لما تستهويه