إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ١٦٣ - ١٨ - و من كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن عباس و هو عامله على البصرة
وَ قَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ[١]لِبَنِي تَمِيمٍ، وَ غِلْظَتُك عَلَيْهِمْ ،وَ إِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلاَّ طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ، وَ إِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ[٢] فِي جَاهِلِيَّةٍ وَ لاَ إِسْلاَمٍ، وَ إِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً[٣] مَاسَّةً، وَ قَرَابَةً خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا، وَ مَأْزُورُونَ[٤]
[١] تَنَمُّرُكَ: النمر سبع معروف أصغر من الأسد و أخبث و أجراً منه، و هو منقط الجلد نقطاً سوداً و بيضاً سمّي به للنّمر الَّتي فيه و منه النمرة بفتح النون و كسر الميم و هي كساء فيه خطوط بيض و سود تلبسه الأعراب و في البيان و التبيين (ص ٦٨ ج ٢) أنّ عمر بن الخطّاب سأل عمرو بن معديكرب عن سعد، قال: كيف أميركم قال: خير أمير، نبطيّ في حبوته، عربيّ في نمرته، أسد في تامورته، يعدل في القضية، و يقسم بالسويّة، و ينفر في السّريّة، و ينقل إلينا حقّنا كما تنقل الذّرّة فقال عمر: لشدّ ما تقارضتما الثناء.
التشبّه بالنّمر إمّا في لبس ثوب من النمرة و نحوها يشبه جلده، و إمّا في التخلُق بأخلاقه، و يفيد كلا الوجهين قول عمرو بن معديكرب:
قوم إذا لبسوا الحديد تنمّروا حلقا و قدّا
هذا البيت من أبيات له مذكورة في الحماسة (الحماسة ٣٤)، يريد بالحديد حلقا الدروع الَّتي نسجت حلقتين حلقتين، و بالحديد قدّا اليلب و هو شبه درع كان يتّخذ من القدّ أي إنّهم إذا لبسوا الحديد الدروع و اليلب تشبّهوا بالنمر في أفعالهم في الحرب فيكون حلقا و قدّا كل واحد منهما بدلا عن الحديد و يجوز أن يريد بتنمّروا أنّهم تلوّنوا بألوان النّمر لطول ثباتهم و ملازمتهم الحديد، و على هذا الوجه يصحّ أن يكون انتصاب حلقا و قدّا على التميز، و يروى خلقا و قدّا أي انهم تشبّهوا بالنمر في أخلاقهم و خلقهم فيكون انتصابهما على التميز أيضا، هذا ما ذكره المرزوقيّ في شرح الحماسة و قال الجوهريّ في الصحاح في معنى البيت: أي تشبهوا بالنمر لاختلاف ألوان القدّ و الحديد و لم يذكر الرواية الثانية.
و نقل الجوهريّ عن الأصمعي قال: تنمّر له أي تنكّر له و تغيّر و أوعده لأنّ النّمر لا تلقاه أبدا إلَّا غضبان.
و في كنز اللّغة: تنمّر - مانند پلنگ خشمناك شدن، و لبس فلان لفلان جلد النمر إذا تنكّر له و أظهر الحقد و الغضب و قيل: كانت ملوك العرب إذا جلست لقتل انسان لبست جلود النمور ثمّ أمرت بقتل من تريد قتله، و نقل الجاحظ في البيان و التبيين عن أبي الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني صاحب التفسير قال: سمعت يزيد بن المهلّب يخطب بواسط فقال: «يا أهل العراق، يا أهل السّبق و السّباق، و مكارم الأخلاق، إنّ أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة، زبّبت لها الأشداق، و قاموا لها على ساق، و هم غير تاركيها لكم بالمراء و الجدال فالبسوا لهم جلود النّمور».
[٢] الوَغْم: بالفتح فالسكون: الحرب و القتال و الترة و الذحل الثقيل و الحقد الثابت في الصّدر، قال ابن الأثير المتوفّى «(٦)٠(٦) ه ق» في وغم من النهاية: و في حديث عليّ عليه السّلام: «إنّ بني تميم لم يسبقوا بوغم في جاهلية و لا إسلام» الوغم: الترة. و جمعها أوغام، و وغم عليه بالكسر أي حقد و توغم إذا اغتاظ. انتهى.
[٣] رَحِماً: قال الراغب في المفردات: الرّحم رحم المرأة و منه استعير الرّحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة يقال: رحم و رحم، قال تعالى: (وَ أَقْرَبَ رُحْماً) [الكهف - ٨١]، انتهى، و في الأساس للزّمخشري: وقعت النطفة في الرّحم (هُوَ اَلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي اَلْأَرْحٰامِ) و هي منبت الولد و وعاؤه في البطن و بينهما رحم و رحم قال الهذلي:
و لم يك فظَّا قاطعا لقرابة و لكن وصولا للقرابة ذا رحم
«وَ أَقْرَبَ رُحْماً» و هي علاقة القرابة و سببها.
[٤] مَأْزُورُونَ: من الوزر فأصله موزورون بالواو إِلَّا أنّه عليه السّلام قال: مأزورون طلباً للمطابقة بين مأجورين و مأزورين، و نحوه قوله عليه السّلام لأشعث بن قيس إن صبرت جرى عليك القدر و أنت مأجور و إن جزعت جرى عليك القدر و أنت مأزور و سيأتي في الحكمة ١٢٩.