إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٦٨ - ٣١ - و من وصية له عليه السلام للحسن بن علي عليهما السلام كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين
فَأَمُّوا[١]مَنْزِلاً خَصِيباً وَ جَنَاباً مَرِيعاً[٢]، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ اَلطَّرِيقِ[٣]، وَ فِرَاقَ اَلصَّدِيقِ، وَ خُشُونَةَ اَلسَّفَرِ، وَ جُشُوبَةَ اَلمَطْعَمِ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ، وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً، وَ لاَ يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً. وَ لاَ شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ، وَ أَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ.
وَ مَثَلُ مَنِ اِغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ، فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ[٤]، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَ لاَ أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ، إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ، وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ.
يَا بُنَيَّ اِجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَ اِكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَ لاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَ اِسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَ اِرْضَ مِنَ اَلنَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَ لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَ إِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَ لاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ.
وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلْإِعْجَابَ ضِدُّ اَلصَّوَابِ، وَ آفَةُ اَلْأَلْبَابِ. فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ، وَ لاَ تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ، وَ إِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ.
وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَ أَنَّهُ لاَ غِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ اَلاِرْتِيَادِ[٥]، وَ قَدْرِ بَلاَغِكَ مِنَ اَلزَّادِ، مَعَ خِفَّةِ اَلظَّهْرِ، فَلاَ تَحْمِلَنَّ
[١] أَمُّوا: قصدوا.
[٢] جَنَاباً مَرِيعاً: ذو الكلاء و العشب.
[٣] وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ: مشقتها
[٤] الجَدِيب: ضدّ الخصيب.
[٥] الارْتِيَادِ: طلب المنزل الرّحب.