إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٦٥ - ٣١ - و من وصية له عليه السلام للحسن بن علي عليهما السلام كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين
أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً، وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً[١]، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَ أَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ[٢] إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي، أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ اَلْهَوَى وَ فِتَنِ اَلدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ اَلنَّفُورِ. وَ إِنَّمَا قَلْبُ اَلْحَدَثِ[٣] كَالْأَرْضِ اَلْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ. فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ، لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ اَلْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ اَلتَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ اَلطَّلَبِ، وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلاَجِ اَلتَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ، وَ اِسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ.
أَيْ بُنَيَّ - إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي - فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ،بَلْ كَأَنِّي بِمَا اِنْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ[٤] ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ[٥]، وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي اَلْوَالِدَ اَلشَّفِيقَ، وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَ أَنْتَ مُقْبِلُ اَلْعُمُرِ وَ مُقْتَبَلُ اَلدَّهْرِ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ ، وَ نَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَ أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَأْوِيلِهِ، وَ شَرَائِعِ اَلْإِسْلاَمِ وَ أَحْكَامِهِ، وَ حَلاَلِهِ وَ حَرَامِهِ، لاَ أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اِخْتَلَفَ اَلنَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَ آرَائِهِمْ مِثْلَ
[١] الوَهَنُ: الضعف.
[٢] أُفْضِيَ: أوصل.
[٣] الْحَدَثِ: الشاب و الغلام.
[٤] الصَّفْوَ: الخالص.
[٥] النَّخِيلْ: الدقيق الَّذي غربل و أخذ دخيله.