إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٤٨ - ٢٦ - و من عهد له عليه السلام إلى بعض عماله و قد بعثه على الصدقة
اَلنَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، وَ بُؤْسَى[١] لِمَنْ - خَصْمُهُ عِنْدَ اَللَّهِ - اَلْفُقَرَاءُ وَ اَلْمَسَاكِينُ[٢] وَ اَلسَّائِلُونَ وَ اَلْمَدْفُوعُونَ[٣]، وَ اَلْغَارِمُونَ[٤] وَ اِبْنُ اَلسَّبِيلِ! وَ مَنِ اِسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ، وَ رَتَعَ[٥]
[١] بُؤْسَى: قال الجوهري في الصحاح نقلا عن أبي زيد في كتاب الهمزة: بئس الرجل يبأس بؤسا و بئيسا اشتدّت حاجته فهو بائس. و هو اسم وضع موضع المصدر. و قال الشّارح المعتزلي: قال الراوندي بؤساً، أي عذاباً و شدّة ثمّ خطأه بقوله: فظنّه منوّنا و ليس كذلك بل هو بؤسى على وزن فعلى كفضلى و نعمى و هي لفظة مؤنثة يقال: بؤسى بفلان، انتهى قوله. و أقول: نسخة الرّضي تطابق ما اختاره الراوندي و اللّغة أيضا توافقه و انتصابه على المصدر كما يقال سحقا لك و بعدا لك، فما صحّحه الراوندي ليس بخطاء. نعم ما فسّره الراوندي بقوله: أي عذابا و شدّة، مخدوش لأنّ العذاب و الشدّة ليس من معاني البؤس بل هما من معاني البأس.
[٢] الْفُقَرَاءُ وَ الْمَسَاكِينُ: قال عزّ من قائل: (إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ اَلْمَسٰاكِينِ) [التوبة - ٦٠] الآية، قد ذهب جماعة إلى انهما مترادفان، و لكن الحقّ كما هو الظاهر من كلام الحقّ تعالى أنّهما متغايران و ذهب إليه أكثر العلماء و لكنّهم اختلفوا في معناهما على أقوال كثيرة بعد ما اتفقوا على استحقاقهما من الزكاة و الأصح أنّ المسكين أسوأ حالاً من الفقير و أنه المحتاج الَّذي يسأل و الفقير المحتاج الَّذي لا يسأل، لما رواه الكليني قدّس سرّه في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام أنه سأله عن الفقير و المسكين فقال: الفقير الذي لا يسأل و المسكين الذي هو أجهد منه الَّذي يسأل.
و عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السّلام: قول الله عزّ و جلّ: (إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ اَلْمَسٰاكِينِ)، قال: الفقير الَّذي لا يسأل النّاس و المسكين أجهد منه و البائس أجهدهم.
أقول: يعطى معنى المسكين الَّذي قاله الامام عليه السّلام من أنه الّذي أجهد منه قوله تعالى: (أَوْ مِسْكِيناً ذٰا مَتْرَبَةٍ) [البلد - ١٦]، و ذكر أهل اللُّغة و التفسير: المتربة الحاجة الشديدة. و من أنّه الّذي يسأل قوله تعالى: (فَانْطَلَقُوا وَ هُمْ يَتَخٰافَتُونَ * أَنْ لاٰ يَدْخُلَنَّهَا اَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) [القلم – ٢٣-٢٤]، و قوله تعالى: (وَ إِذٰا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) [النساء - ٨]، و قوله تعالى: (وَ لاٰ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ اَلسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينَ وَ اَلْمُهٰاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ) [النور - ٢٢].
و يعطى معنى الفقير من أنه الَّذي لا يسأل قوله تعالى: (لِلْفُقَرٰاءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ لاٰ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي اَلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ اَلْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ اَلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ لاٰ يَسْئَلُونَ اَلنّٰاسَ إِلْحٰافاً) [البقرة - ٢٧٣]، و قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا اَلصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا اَلْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢٧١]، و قوله تعالى: (لِلْفُقَرٰاءِ اَلْمُهٰاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً) [الحشر - ٨].
ثمّ إنّ المسكين بحسب النسبة أعمّ من الفقير لأنّ الفقير مقابل الغنى أي الَّذي ليس له مال و المسكين من كانت به المسكنة أيضا. و بعد في المقام بحث طويل الذيل أعرضنا عنه لخروجه من موضوع الكتاب و خوفا من الاسهاب و الاطناب، فراجع إلى تفاسير القرآن الكريم و في زكاة الكتب الفقهية، و قد أشبع الكلام السيّد صاحب المدارك عند قول المحقّق - ره - في زكاة الشرائع: أصناف المستحقين للزكاة سبعة: الفقراء و المساكين إلخ. (ص ٢٧٧ من الطبع الرحلي على الحجر). [منهاج البراعة - الخوئي].
[٣] الْمَدْفُوعُونَ: جمع المدفوع من دفعه إذا نحّاه و أبعده و ردّه. قيل: المراد منه هنا الفقير لأنّ كلّ أحد يكرهه و يدفعه عن نفسه و سيأتي بقيّة الكلام فيه في المعنى. و قال المجلسي - ره - في البحار (ص ٦٤٣ ج ٨ من الطبع الكمباني) و في بعض النسخ: المدقعون بالقاف، قال في القاموس: المدقع كمحسن الملصق بالدّقعاء و هو التراب. انتهى.
و أقول: منه قول رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم للنساء: إنّكنّ إذا جعتنّ دقعتنّ و إذا شبعتنّ خجلتنّ، و لكن الصواب ما اخترناه و هو الّذي موافق لنسخة الرضي - ره -.
[٤] الْغَارِمُ: الَّذي علاه الدّين لا يجد القضاء.
[٥] رَتَعَ: كمنع اى أكل و شرب ما شاء في خصب و سعة.