منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٦٩ - المعنى
و لطايف التّدبير الّتي يعجز عن إدراك أقلّ قليلها عقول البشر، ففيه تنبيه على كمال لطفه و تدبيره و حكمته و محصل مراده أنّه تعالى كان قدرته و لطفه منشئا (أن جعل) أى خلق (من ماء البحر) و في بعض النسخ اليمّ بدله و هو بمعناه (الزاخر) المرتفع الممتلى الممتدّ جدّا (المتراكم المتقاصف) أى الّذى اجتمع بعضه فوق بعض و تزاحمت أمواجه و اشتدّ صوته الهايل من كثرة الأمواج (يبسا جامدا) أراد به الأرض، فانه سبحانه خلقها من زبد الماء حسبما عرفته تفصيلا في التّذييل الثاني من شرح الفصل الثامن من الخطبة الاولى.
(ثمّ فطر منه) أى خلق من الماء أى من بخاره و دخانه حسبما عرفته أيضا في شرح الفصل المذكور (أطباقا) أى طبقا بعد «فوق» طبق تلميح (ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها) يريد أنّها كانت طبقات منفصلة في الحقيقة متّصلة في الصورة بعضها فوق بعض ففتقها و فرّفها و باعد بعضها عن بعض فحصل سبع سماوات متميّزات بينها أمكنة الملائكة بعد ما كانت ملتزفة متّصلة.
و فيه تلميح إلى قوله تعالى أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ قال مجاهد و السّدي في تفسير الاية كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات و كانت الأرض كذلك ففتقناها سبع أرضين و قيل في تفسيرها وجوه اخر تقدّمت في شرح الخطبة الأولى و كلامه ٧ مؤيّد لهذا الوجه.
(فاستمسكت بأمره) أي احتبست و اعتصمت و قامت بأمر اللّه سبحانه و الغرض عدم تفرّقها كأن بعضها معتصم ببعض (و قامت على حدّه) أى وقفت على ما حدّ لها من المكان و المقدار و الهيئة و الشكل و الأقطار و النّهايات، و لم تجاوز عن حدودها المعيّنة و الضمير في حدّه راجع إلى اللّه سبحانه.
(يحملها الأخضر المثعنجر) أي يحمل الأرض المستفادة من اليبس ماء البحر السائل، و وصف الماء بالخضرة من عادة العرب و التعبير عن البحر بالأخضر لأنّه بصفة لون السّماء فيري أخضر (و القمقام المسخّر) أي البحر الّذى سخّره اللّه تعالى أي ذلّله