منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٦ - المعنى
و أجنبته و تجنّبته و تجانبته كلّها بمعنى و رجل أجنبىّ و أجنب و جانب كلّه بمعنى (لا يتعارفون لليل صباحا و لا لنهار مساء) أى لا يعرفون للّيل نهارا و لا للنهار ليلا، لأنّ اختلاف اللّيل و النهار و تبدّل أحدهما بالاخر من الأوضاع الدنيويّة و لا اختلاف لهما بالنّسبة إلى أهل القبور لكونهم في بيت الظلمة و النّشأة الاخرة بالنسبة إليهم سيّان.
و يحتمل أن يكون المراد أنّهم لا يتعارف بعضهم بعضا أى لا يجتمعون و لا يتكلّمون في نهارهم للنظر في أمور ليلهم و لا في ليلهم للنّظر في أمور نهارهم كما هو عادة أهل الدّنيا يجتمعون في النهار لترتيب ما يفعلونه باللّيل و في اللّيل لترتيب ما يفعلونه بالنهار، و الأوّل أظهر.
و يؤمى إليه قوله ٧ (أىّ الجديدين ظعنوا فيهم كان عليهم سرمدا) أراد بالجديدين اللّيل و النهار لتجدّدهما دائما أى أىّ واحد من اللّيل و النهار ارتحلوا فيه كان عليهم باقيا أبدا فانّ من مات ليلا لا يتبدّل ليله بالنهار، و من مات نهارا لا ينقلب نهاره إلى ليل لخروجه من الدّنيا الّتي فيها يتعاقب اللّيل و النهار و يتبدّل أحدهما بالاخر.
و الظاهر أنّ ثبوت هذه الحالة للموتى كساير الحالات المتقدّمة بالنّسبة إلى أجسادهم المدفونة في القبور، و أمّا بالنسبة إلي أرواحهم المنتقلة إلى جنّة الدّنيا و نعيمها كأرواح السّعداء أو المنتقلة إلى نار الدّنيا و جحيمها كأرواح الأشقياء، فالمستفاد من أخبار أهل البيت : تعاور اللّيل و النهار عليهم، و يستفاد منها أيضا أنّ أهل الجنّة من المؤمنين يجتمعون و يتزاورون و يتحدّثون و يتأنّسون.
و يدلّ عليه صريحا ما في البحار من تفسير علىّ بن إبراهيم القمىّ في قوله تعالى وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا قال ٧: ذلك في جنّات الدّنيا قبل القيامة و الدّليل على ذلك قوله: بكرة و عشيا فالبكرة و العشا لا تكونان في الاخرة في جنان الخلد و إنّما يكون الغدوّ و العشىّ في جنان الدّنيا الّتي تنتقل إليها