رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٤٩ - الرحلة من صنعاء إلى المخا
بمقدورهم، و قصفوا القلعة الشمالية قبل أن يفكر العرب جديا باستخدام العنف. و استؤنفت بعد ذلك المفاوضات و اعتذر صاحب الدولة معللا أنه لا يملك المال و لا أمرا من الإمام بدفع الديون المذكورة، و طلب مهلة مدتها ١٥ يوما حتى يتلقى ردا من الإمام. و بعد انتهاء المهلة، أطلق الفرنسيون قذيفة نحو منزل صاحب الدولة فقتلوا عربيا، و لم يؤدّ ذلك إلى أية نتيجة، فاستهدفوا المسجد يوم الجمعة فيما كان صاحب الدولة يؤدي صلاته، و قتلوا بعض العرب. عندها فقد المواطنون، الذين دفعوا دين الإمام من دمهم، صبرهم و أجبروا الحكومة على اتخاذ تدابير ترضي العدو. و بعد إقرار المعاهدة، أنزل الفرنسيون بضائعهم و استأنفوا تجارتهم كالمعتاد، و لم يفقدوا سوى أحد الربابنة الذي قتل أثناء نومه أمام باب منزله، على يد جندي مات أحد أهله أثناء القصف فثأر له. (وصف شبه الجزيرة العربية).
و نرى مما تقدم أن صاحب الدولة الذي كان عاجزا عن الدفاع عن نفسه فعل ما بمقدوره لخدمة سيده، لكن الإمام لم يسرّ بما حصل فصادر قصر الأول في صنعاء (*). كما لم يسترد تجار من المخا قدموا مبلغا كبيرا لإرضاء الفرنسيين المال الذي دفعوه حتى تاريخ وجودنا في المدينة.
و يتذكر العديدون هذه المواجهات، لا سيّما قنابل النار، على حدّ تعبيرهم، التي لا حقت صاحب الدولة، و قد كوّن العرب فكرة عظيمة عن طريقة الأوروبيين في خوض الحروب. و لو شنت دولة أوروبية هجوما كهذا على مدينة تركية لما سلمت الأمم الأوروبية الأخرى الموجودة في المدينة من غضب الشعب، و الدليل على ذلك أنه ما إن يقترب مركب من مالطا من مدينة يافا، حتى يدفع رهبان المدينة جزيات كبيرة. لكن الإنكليز و الهولنديين الذين كانوا في المخا عند وصول الفرنسيين بقوا في أمان و لم يتعرضوا للأذية.
لم أسمع بمسيحيين شرقيين يقيمون في المخا أو في أيّ مدينة أخرى في اليمن، إنما نجد فيها يهودا يعيشون خارج الأسوار كما في تعز، و جبلة و صنعاء و غيرها. كما يعيش في المخا حاليا من ٦٠٠ إلى ٧٠٠ بانياني و هندي من الطوائف الأخرى. يعمل قسم منهم في التجارة فيما يكسب القسم الآخر رزقه من مزاولة بعض الحرف و الأعمال الصغيرة، و يبقى هؤلاء في اليمن لسنوات، لكن بما أنه لا يسمح لهم باستقدام زوجاتهم، يعودون إلى بلادهم ما إن يجمعوا ثروة. و تحتفظ الشركة الإنكليزية للهند الكبرى ببعض البيوت المستأجرة في المخا و بيت الفقيه علما أنها لا ترسل عادة سوى مركب واحد لتحميل البن كل سنتين. و لعل تجارتهم في الخليج العربي لا تدرّ عليهم أرباحا كثيرة، لكن التجار الإنكليز في الهند يجنون أرباحا طائلة منها، و وصلت إلى المخا هذه السنة، لحسابهم، سفينتان من البنغال، و واحدة من بومباي و أخرى من سورات فضلا عن مركب أبحر من سورات تحت إمرة قبطان إنكليزي، كما أرسل الإنكليز في السنة نفسها من الهند ثلاثة مراكب إلى جدة. و قد تركوا تاجرا في المخا لسنوات، لكنه
(*) كان هذا القصر يحمل اسم دار مخا، فأطلق الإمام منصور عليه لا حقا اسم دار السودان و هو الاسم الذي يعرف به حاليا.