رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٨٤ - سير الرحلة من بيت الفقيه إلى عدن، و جبلة و تعز و حاس
يفصح لي أحد عن اسمهما و رقدنا تلك الليلة في مشعا(Mascha) ، الواقعة جنوبي- شرقي سلام.
لا يسلك الرحالة هذه الطريق إلا لماما؛ فهي وعرة و خالية تقريبا من السكان و محفوفة بالمخاطر؛ لكن منذ بضع سنوات عين سيد عدن في مشعا نائبا لصاحب الدولة يعاونه على حفظ الأمن عدد من الجنود؛ و لقد قيل لنا إن هذا النائب يعوض على الأشخاص الذين يتعرضون للسرقة في مناطق نفوذه و أن لا شيء يدعو للخوف. و فرض علينا نائب صاحب الدولة دفع ربع ريال للمرور في المنطقة. فوجدت أن هذه الضريبة و غيرها من الضرائب التي تفرضها الحكومة العربية على الرحالة زهيدة للغاية مقارنة بتلك التي تفرض في أوروبا.
و يقام في مشعا، سوق شعبي مرة في الأسبوع؛ و هي تمتاز بأكواخها الرديئة المصنوعة من الأنسجة المصلبة، و المغطاة بالقصب و بعد عناء طويل، وجدنا كوخا صغيرا لنبيت فيه؛ غير أننا لا نستطيع الوقوف وسطه بارتياح كما و أن أرضه ضيقة للغاية، و لا تتسع لاثنين منا؛ و كان يكفي أن يوضع في داخله سرير واحد من تلك التي تكثر في منازل تهامة؛ غير أن هذه الأسرة لا تستعمل إطلاقا في مناطق اليمن الجبلية؛ و يفضل الجميع الجلوس أرضا شأنهم في ذلك شأن سكان مصر و تركيا. أما عامة الشعب في مناطق اليمن الجبلية، حيث درجات الحرارة منخفضة فيستعملون أسرة مختلفة عن تلك المستعملة في تهامة. يندس العربي الجبلي عاريا في كيس كبير، دون أن يقفله فوق رأسه؛ فتحول حرارة لهاثه دون إحساسه بالبرد، و يوضع الكيس مقلوبا في النهار على سطح المنزل حتى لا تتكاثر الحشرات الطفيلية ليلا. و لم أحاول أبدا أن أنام في الكيس، و لكنني اعتدت على تغطية وجهي خلال الليل، خاصة في الهواء الطلق، تفاديا للندى المضر بالصحة، و الرياح المؤذية (وصف شبه الجزيرة العربية) و لم نجد في القرى الواقعة على طريقنا إلا بعض الخبز السيىء المصنوع من الذرة و كميات قليلة من حليب النوق؛ لكني وجدت المياه لذيذة للغاية في الجبال الواقعة خارج تهامة.
و في ٢٨ من شهر آذار/ مارس، غادرنا مشعا؛ و سلكنا طرقات متعرجات و وعرة حتى بلغنا مصيل(Masil) بعد أن قطعنا ميلا تقريبا. ثم عبرنا بين هاتين القريتين سهلا فسيحا تكثر فيه الأشواك و الأعشاب؛ و لا حظنا أن الأراضي أكثر خصبا و المنازل أكثر جمالا؛ فهي مبنية من الحجارة المتراصة و التي يعلوها سقف ترابي. و يقع وادي زبيد على الجهة الشمالية للطريق على مسافة بعيدة جدا عنه.
و يقام سوق شعبي في مصيل؛ غير أننا لم نكن نحمل جوازات سفر أو رسائل توصية، و نفضل التنقل متخفين و تجنب الأماكن المكتظة بالناس؛ لهذا السبب تابعنا طريقنا دون أن نتوقف للهو قليلا. و يقع على الطرف الآخر للبلدة جبل نخيل الشاهق الذي يتطلب تسلقه حوالي ٤٥ دقيقة؛ شاهدنا على سفح هذا الجبل رمالا لماعة أو حجارة الميكا؛ و هذا ما حثّ عرب العامة على الاستنتاج بأن هذا الجبل يحوي عروق ذهب. و عند الظهر وصلنا إلى كوخ حيران حيث شربنا القهوة بعد أن مررنا أمام قبة تعلو ضريح أحد