رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٤٩ - ملاحظات من الإسكندرية
إلى منزله، و أفلت عائدا إلى الباخرة ما إن اجتازت الشمس الهاجرة. و لا ينبغي أن يفاجأ المرء من ردة فعل المسلمين إزاء أمور كهذه، إذا ما فكّر في أن الأوروبيين، منذ وقت غير بعيد، كانوا يعتبرون أي شيء لا يفهمونه سحرا.
كان يتمّ دفن الموتى فيما مضى غرب الإسكندرية، و نجد حاليا الكثير من المدافن هناك. أما نوعية التربة فكنوعية التربة في مالطا، كلسية و لزجة مغطاة بطبقة خفيفة من التراب و الرمل، لذا يتبين لنا عند التجوال على ظهر جواد أن الأرض مفرّغة في بعض الأمكنة. و على مقربة من عمود بومبي، و قرب مصلى صغير، دخلت سراديب للأموات، شبيهة بتلك التي وصفها بوكوك في هذا المكان، أصغر من التي شاهدتها.
و تتألف السراديب من غرفتين محفورتين في الصخر، إحداها خلف الأخرى، و للأولى ١٢ فجوة من كل جهة على مستويين، و يبلغ ارتفاع كل فجوة قدمين و نصف، أما عرضها فقدمان و عمقها حوالي ستة أقدام، و قد صممت كلها كمدافن، ل ٤٨ شخصا. أما في الغرفة الثانية فلم أجد سوى ٦ فجوات، و رأيت في عمق الغرفة قبالة المدخل، فجوة صغيرة في الحائط، يصل ارتفاعها إلى ٤ أقدام و عرضها إلى قدمين و نصف. و على بعد فرسخ من الإسكندرية، نحو الغرب، زرنا سراديب أوسع و أبهى، و كان المدخل شبه مسدود بالردميات، و حتى في داخل السراديب اضطررنا أحيانا إلى الزحف لتجنبها. و لقد رأينا في أعلى الممر الأول، بعض الكوى التي يمكن أن تكون قد استعملت لوضع الشموع أو القناديل منحوتة في الصخر، ثم انتقلنا إلى غرفة مربعة، لها من كل جهة باب، و بعض الزينة الهندسية البسيطة. أما الباب الشمالي فيختلف عن الأبواب الأخرى لوجود بابين صغيرين بجانبه، لكن بما أن الركائز التي تفصلها عن الأول قد دمّرها الزمن، لم يعد يشكل معه سوى مدخل وحيد. و بدت الغرفة من هذه الجهة مستديرة و مقببة، و يبلغ قطرها ٢٠ قدما. و شاهدنا ثلاث غرف صغيرة إلى جانب الغرفة الكبرى، و هي تشبه المقابر السورية القديمة و مقابر الملوك قرب القدس، لأن هناك فجوات في الجوانب، يتم وضع الموتى فيها، و قد رسمتها على اللوحة الخامسة، الحرف ب. ثم انتقلنا من الغرفة، التي ذكرتها، عبر باب آخر و ممرات عدة يصعب سلوكها حاليا، إلى ساحة واسعة للغاية، لكنها استحالت واطئة بسبب كميات الغبار و الرمال التي ملأتها و التي دخلتها من فتحات غير معروفة، و لعلهم اعتادوا تخزين القمح في هذا المكان.
و بما أن هذه الساحة كبيرة جدا، سنّدت بصفوف من الركائز التي يبلغ حجمها ٣ أقدام مربعة، صنعت من الصخر دون أية زخرفات. و نجد هنا أيضا العديد من الممرات و الأقبية التي حفرت في الصخر، لكنها أضحت ملجأ للحيوانات المفترسة فقررت عدم المخاطرة. و ينبغي التزود بضوء لزيارة هذه السراديب، كما يتم إطلاق النار قبل دخولها لطرد الحيوانات المفترسة التي قد تتواجد فيها. و نجد غرب هذه السراديب مرفأ صغيرا أو خليجا، و يبدو و كأن قصرا قد شيّد على أحد شواطىء الخليج فيما مضى، لأننا نعثر على الكثير من قطع الرخام التي استخدمت على الأرجح لرصف الأرض أو تزيين الجدران. و نشاهد هنا أيضا غرفتين حفرتا في الصخر و كأنهما خزانان للمياه، لأن النزول إليهما، يتمّ عموديا عبر فتحة صغيرة، تعلو