رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٢٧ - الرحلة من تعز(TAA'S) إلى صنعاء
و في ١٩ تموز/ يوليو صباحا، تمّ تبليغنا بأن الإمام سيستقبلنا، و قادنا كاتب الفقيه أحمد إلى قصر بستان المتوكل. و كنا نتوقع أن ندخل على الإمام بحضور بعض ضباطه و مسؤوليه، لكن فوجئنا بالتحضيرات الكثيرة. و كان فناء القصر يعجّ بالخيول، و المسؤولين، و غيرهم من العرب، و كان من الصعب علينا شق طريقنا وسط هذا الحشد، لو لم يصل النقيب خير الله(Nakib Gheir Allah) ، و هو عبد سابق و مروّض لجياد الإمام حاليا، حاملا عصا طويلة، ليفسح لنا المجال. أما مجلس الإمام فهو في قاعة مربّعة و مقببة، و تتوسطه بركة كبيرة، ترتفع مياه النوافير فيها حوالي ١٤ قدما. و نجد وراء الحوض تعلية يبلغ طولها قدما و نصف، و عرضها خمس إلى خمس أقدام فوق مستوى المجلس كله، و يليها إعلاء صغير يقوم قرب أدراج عرش الإمام مباشرة. و يغطي السجاد العجمي الأرض كلها، بما في ذلك محيط الحوض و العرش، و لم أر على العرش سوى أعلاء رباعي الزاوية مغطى بأقمشة حريرية، وضعت و سائد عريضة و مطرزة وراءه و على جانبيه. و تربع الإمام على عرشه بين الوسائد، على طريقة الشرقيين، و كان يرتدي ثوبا أخضر اللون، بأكمام واسعة و طويلة على الطراز العربي (*)، و علّق على جانبي صدره، ككبار الأتراك، شبكة ذهبية كبيرة و اعتمر عمامة بيضاء عريضة. و جلس أبناؤه إلى يمينه و إخوته إلى يساره، فيما جلس الفقيه أحمد قبالته، و بقينا على الإعلاء الأول، و بالتالي على مستوى منخفض بالنسبة للفقيه، و جلس على جانبي القاعة نفر من إخوة الإمام و أولاده و عند الباب عدد من وجهاء العرب، يلاصق أحدهم الآخر.
و قادونا مباشرة إلى الإمام، كيّ نقبّل ظهر يده اليمنى و راحتها، فضلا عن طرف ثوبه، و يسمح الأمراء المسلمون بالأولى و الأخيرة، و هي نعمة عظيمة حين يسمحون للأجانب بتقبيل راحة يدهم. و كان الصمت سائدا في القاعة، لكن ما إن لمس أحدنا يد الإمام حتى تلفظ أحد البشراء ببعض الكلمات التي تعني: «ليحفظ الله الإمام»، و ما إن صمت حتى ردد الحضور كلماته بصوت عال. و بما أني كنت أول شخص في الوفد، و كنت أحاول التركيز للفظ إطرائي بلغة عربية صحيحة قدر المستطاع، و أخذت أفكر بهذا الحفل الباذخ الذي لم أر يوما مثيلا له في شبه الجزيرة العربية، و لم أتمكن من إخفاء اضطرابي من هذا الحشد الصاخب، لا سيّما حين أخذوا يصرخون عند ما لمست يد الإمام، لكني عدت و تمالكت نفسي. و عند ما هتفوا من جديد فيما كان رفاقي يقبّلون يد الإمام، تذكرت أن الأمر نفسه يحدث عند ما يصرخ طلّاب الجامعات في ألمانيا «يعيش» إكراما لشخص ما، و يرددونها مرارا.
و تختلف لغة البلاط في صنعاء اختلافا عظيما عن لغة العامة في المناطق الجبلية، فضلا عن تهامة، و لم نكن نتكلم إلا لهجة هذه البلاد الأخيرة و بركاكة، فاستعنا بخادمنا الذي اعتاد سوء لفظنا، و هو رجل من المخا، كناطق بلساننا، فيما ترجم الفقيه أحمد، الذي أقام طويلا في تهامة و تعلّم اللغة العامية، كلام الإمام.
و لم أتمكن من فهم الكثير من كلامهما، حين كانا يتحدثان معا، و ينطبق الأمر ذاته على خادمنا الذي ولد
(*) و هو لباس الخلفاء. راجعوا التاريخ العالمي الحديث للعصور الأخيرة، العددIII ، ص ٦٩.