رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٨٩ - سير الرحلة من القاهرة إلى السويس و إلى طور سيناء
وجدة. يقول أندريه كورسال، إنه العام ١٥٠٩ الذي بدؤوا فيه ببناء السفن الشراعية؛ و استنادا لتقرير مؤلف كتاب «رحلة سليمان باشا»، بدؤوا بناء السفن في السويس العام ١٥٣٨.
لا تزال صناعة السفن في هذه المدينة مزدهرة للغاية، علما أن الخشب و الحديد و خلافه، ينقل من القاهرة على الجمال، و يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ارتفاعا ملحوظا. و لا تسافر هذه السفن أبعد من جدة؛ و هي تسمى سفن القاهرة لأنها ملك سكان هذه المدينة. نسيت أن أعد بنفسي المراكب التي في السويس و المرافىء الأخرى و أكدوا لي أن أربع أو خمس سفن تنقل سنويا القمح من السويس و قصير إلى جامبو وجدة، ليوزع بعدها في مكة و المدينة فضلا عن أن أربع عشرة سفينة تجارية محملة بالبضائع و الركاب تبحر من السويس إلى جدة، و لفتت انتباهي الرادفة الكبيرة تحت دفة السفينة (راجعوا مركب المدينة تور اللوحة ل أ)، و تلك التي تمتد من أمام غرفة الربان، حيث علقت أسلاك طويلة، و تجتاز رادفة الدفة حتى تتحكم بها. و رغم أن هذه الأسلاك معلقة فوق الماء، غالبا ما تلامس سطح البحر نظرا لثقلها معيقة بذلك سير السفن، لذا غيّر الأتراك و الهنود دفات سفنهم، و جعلوها مشابهة لدفات السفن الأوروبية؛ و لكن ربابنة هذه المناطق شديد و التعلق بعاداتهم القديمة حتى أنهم بدلوا دفة إحدى السفن المبنية في السدرات و المباعة لأحد سكان القاهرة، حتى تتلاءم مع أهوائهم (*). لم أر على متن هذه السفن مضخات للمياه؛ و لكن المياه المالحة كانت تستخرج بواسطة الأكياس الجلدية و للاستعاضة عن البراميل، كانت هذه السفن تحمل على متنها خزانا كبيرا للمياه موضوعا قرب صاري السفينة؛ و هو لا يأخذ مكانا كبيرا على خلاف البراميل الأخرى، و لكن إن تسربت المياه منه، تتبلل البضائع الموضوعة في جواره؛ كما أن المياه العذبة ستنفد من السفينة خاصة بعد ابتعادها عن المرفأ. تعرفت على رحالة إنكليزي عاش هذه التجربة بين سورات وجدة.
تقع مدينة السويس على الضفة الشرقية للخليج العربي، و ليس عند طرفه. و الجدير ذكره أن هذه المدينة ليست محاطة بالأسوار؛ و لكن منازلها محصنة جيدا، ضد هجومات العرب المفاجئة، و جدرانها متلاصقة جدا حتى أننا لا نستطيع الدخول إلى البلدة إلا من خلال شارعين فقط: واحد مفتوح يمر بمحاذاة البحر غربا، و آخر رئيسي يغلق بواسطة بوابة غير ثابتة. أما بقايا القصر الذي بناه الأتراك على أنقاض مدينة كلثوم فلم يعد له أثر. لا نجد في المدينة منازل، أو فنادق كثيرة (شمس و عقال) و كما أن عدد سكانها ليس كبيرا؛ و نجد بينهم عائلات يونانية و قبطية. و لا تعج هذه المدينة بالناس إلا عند انطلاق البواخر إلى جدة أو العودة منها. تحيط بالمدينة سهول صخرية مغطاة بالرمل و الحجارة؛ و هي أرض قاحلة و جافة و لا نرى فيها أثرا للنبات، باستثناء بعض الأشجار و الحدائق و الحقول (**). يشتري سكان هذه المدينة سلعهم
(*) من الملاحظ أن الخشب المستعمل لبناء المراكب في السورات أكثر ثباتا من غيره. و يقال إن المركب المذكور بقي صالحا للإبحار ٩٦ سنة؛ و هو لا يزال يبحر بين السويس وجدة.
(**) شاهدنا بين القاهرة و السويس، زهرة جريشو التي تنمو في تلك المنطقة بكثرة. تستعملها النساء الشرقية للقيام بتجارب خرافية؛ و بالتالي فهي تباع في المدن. تضعها النساء الحوامل في الماء، ظنا منها أنها قد تلد دون أوجاع، خاصة إن تفتحت الوردة.