رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٣٠ - الرحلة من السويس إلى جدة
أموالهم على دفعات و سرا، لأن رسم الدخول يبلغ ٢ إلى ٢ و نصف بالمئة. و تمكن البعض من دخول المدينة من دون أن يدفع المال، أما الذي تكثر الأغراض معه، فتم توقيفه و إجباره على دفع الموجبات.
و يبدو أنهم لا يعرفون معنى لحجز الأغراض و معاقبة المخالف، و قيل لنا إنهم يكتفون بالسخرية ممن يحاول خداع الجمارك و لا يفلح في ذلك. و أذكر أني سمعت في مناطق أخرى تركية، أن من يحاول إدخال بضاعة ما خلسة يدفع المبلغ المستحق مضاعفا. و تعرّض أحد أصدقائنا، الذي حاول إدخال ماله من دون أن يدفع، لعقاب أكثر صرامة، فحين نزل من السفينة، انفتح كيس ماله، الذي ربطه حول خصره، و وقع منه حوالي ١٠٠ درهم في البحر.
و بما أن الذين، عادوا من المدينة اشتكوا من أن الجمارك صارمة هذه السنة أكثر من المعتاد، اتخذنا كافة التدابير الممكنة كي لا نتعرض للمشاكل. و لم نكن ننقل بضائع و بالتالي ما من شيء نخشاه من هذه الناحية، لكن المسلمين لا يستخدمون الكمبيالات، لذا اضطررنا إلى إبدالها بالمال في القاهرة، و سعينا إلى إخفاء الأمر عن العرب كي لا تسوّل لهم أنفسهم القيام بأمر ما. و لم نكن نحمل سوى نقود البندقية التي تستخدم في جدة أكثر من النقود الذهبية التي ضربت في تركيا، و كان يمكن لكل منا أن يخفي حصته لو لم نخش التعرض للتفتيش. فقررنا إخفاء مالنا في جرار الأدوية، و هي أفضل طريقة لإخفائه عن عيون العرب الذين لا يتوقعون أن يحمل طبيب ما المال، و بالرغم من أن المسلمين لا يحبون أن يدفعوا المال لأطبائهم، يرحبون بهم أينما حلّوا.
و لم يتمكن من اللحاق بنا سوى مركب واحد من المراكب الثلاثة التي انطلقت معنا من السويس ثم من رأس محمد، و قد وصل إلى جدة حين وصل مركبنا، فيما وصل الثاني في ٢ تشرين الثاني/ نوفمبر، بعد أن فقد أحد مراكب الإنقاذ و عانى الأمرّين للحفاظ على المراكب الأخرى، و لم يصل الثالث إلا في ١٢ تشرين الثاني/ نوفمبر صباحا. و عند المساء، ما بين الساعة الثامنة و الساعة التاسعة، سمعنا فجأة صوت دوي مدفع، و هي الإشارة إلى حصول كارثة ما لأحد المراكب الراسية. و خشي أن تكون النيران قد اندلعت في إحداها، فأرسلت كافة المراكب الصغيرة النجدة، و بعد حين عاد بعض منها لإخبارنا أنّ المركب الذي وصل متأخرا قد انقلب، و أن كمية من البضائع وقعت في الماء لأن البحارة أثقلوا الحمل و أكثروا من البضائع و الصناديق بعد أن رجاهم التجّار إذ أرادوا الحصول على بضائعهم في اليوم التالي.
و أرادت القلة التي بقيت على متن المركب إرسال إشارة إلى الضباط و البحارة الذين نزلوا إلى البرّ كي يرجعوا و يساعدوا في إعادة المركب إلى وضعه الصحيح. هؤلاء هم الناس الذين تسلّم لهم حياتك بين السويس و جدة، فشكرنا الرب و حمدناه لأننا أنهينا رحلتنا بخير و سلام، هذه الرحلة التي تجدون خارطة لها على اللوحة ٢٠ في وصف شبه الجزيرة العربية.