رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٦٣ - آثار مصر
و تغطي الرمال أبا الهول جزئيا، و تبين لي أن ارتفاع الذقن يبلغ ١٠ أقدام و ٦ بوصات، أما طول الرأس فسبعة عشر قدما، أيّ إن ارتفاع الرأس و الرقبة فوق الرمال يبلغ ٢٧ قدما و ٦ بوصات.
و قد بني الهرمان الكبيران من نوعية حجارة الصخرة التي يقومان عليها نفسها، و هي أحجار كلسية ليّنة، إذن، لا بد أنهم جمعوا الحجارة من المحيط و من حول تمثال أبي الهول، لأن هذا الأخير يبدو و كأنه حفر في الصخر، أما ذاك الذي يسند الهرم الثاني فهو مسطّح و يشكل جزءا لا يتجزأ من هذا النصب.
و بالغ بعض المسافرين في وصف الأعمال الضخمة و الكلفة العظيمة لهذه الكتل أو الجبال الحجرية، و أشاروا إلى أنها كانت مغطاة بالرخام، و يؤكد بول لوكا(Paul Lucas) أنها كانت مطلية بالإسمنت، لكن هذه الأقوال عارية عن الصحة، على الأقل بالنسبة للهرم الثاني. و نرى في أعلى هذا الصرح، حول قمته، جزءا كبيرا من الرأس (*): و بالرغم من أنه يبدو متماسكا من بعيد، و من حجارة صلبة، لا سيّما حين يقع عليه ضوء الشمس، فهو مبني من الحجر الكلسي اللين نفسه الذي بني منه الهرم. و لدراسة هذا الأمر، تسلقت الهرم حتى قمته، و جلبت قطعة منه، و أعتقد أنه ليس من أوروبي تكبّد هذا العناء، إذ لا يتسلق المسافرون إلّا الهرم الأول و لا يسترعي الثاني انتباههم لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى القمة.
و يبدو أن عمل مهندس هذا الصرح الأخير قضي بقصّ الحجارة الناتئة، و تسوية الجهات الأربع من القمة و حتى القاعدة، و هكذا يتصدى للعوامل الطبيعية و للزمان أكثر مما لو كانت الأحجار متدرجة. و مع ذلك، وقع قسم كبير من سقف هذا الهرم، و حملته الرياح، و نستنتج من ذلك أن الأهرام نفسها ستضمحل يوما تحت تأثير عوامل الزمن، لكن ينبغي انتظار آلاف السنين. و لماذا يتكبد المصريون عناء إحضار الحجارة من قمة الأهرام الكبيرة، في حين أنهم يستطيعون الحصول عليها بسهولة أكبر من جبل المقطّم أو من التلة التي تقوم عليها الأهرامات؟ لم أجد دليلا على وجود رأس في أعلى الهرم الأول، و لعل الأمر يعود لقدمه أو لأنه مبني من أحجار ليّنة و بالتالي معرّض للهواء أكثر من الجزء الأعلى للهرم الثاني. و لا أظن أن بانيها يسعى إلى أن يتسلق الناس الهرم الأول، لأن ارتفاع درجاته غير متساوية كما في الهرم الثاني، و الذي يحاول صعوده من أمكنة عدة، لن يجد عدد الدرجات نفسه.
و نجد قرب الهرم الثالث، المبني من حجارة كلسية، عددا من أحجار الغرانيت، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأنه كان مغطى فيما مضى بهذه الحجارة، كما يؤكد المؤرخون القدامى. لكني لم أكتشف، في الوقت القليل الذي تبقى لي لدراسة هذا الهرم، ما يؤكد أن الطبقة الخارجية كانت من الغرانيت. و تجدر الإشارة إلى أني وجدت بين الحجارة الكلسية أحجارا كبيرا من الغرانيت غير مقطعة مواربة كأحجار سقف الهرم الثاني، لكني أجهل إذا ما كانت تحمل كتابات مصرية قديمة. و لم أر هذه الحجارة عند دراستي للهرمين الكبيرين، كما لم أتوقع ذلك، لأن الحجارة الخارجية المغروسة في الأرض لم تعد موجودة.
(*) رحلة إلى مصر، بقلم نوردن، ص ٤٢- ٤٥.