رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٨٨ - سير الرحلة من بيت الفقيه إلى عدن، و جبلة و تعز و حاس
إحدى جهات السور فتحات طويلة و ضيقة، كانت تستعمل قديما ككوى لإطلاق السهام. و لقد انهارت مباني هذا القصر كله و لم يتبق منه إلا خزان كبير مربع و آخر مستدير لا تزال آثار المدافع بارزة على جدرانه. و يقال إن هذا القصر و آخر على جبل ثقل(T kel) ، المجاور لبلدة جبلة، قد بنيا على يديّ حسان الجاهلي؛ و غالبا ما يستعمل العرب كلمة جاهلي للدلالة على أسلافهم الملحدين. و لم أسمعهم يوما ينعتون الملحدين بالكفار رغم أن هذه العبارة رائجة الاستعمال. و لم أجد أثرا للنقوش في قصر جبل شدرا؛ لكن طريقة بناء الحجارة تدل على انتمائه للعصور القديمة.
و من أعالي هذا الجبل نشاهد جنوبا حوالي ٢٠ قرية و بلدة؛ و لما كنت أخشى تدوين أسمائها في حضرة المرشد اكتفيت بمراقبة موقع تعز و بلدة الشروق في الجهة الجنوبية- الغربية، و جناد في الجهة الجنوبية، و خان محراث في الجهة الجنوبية- الغربية، و جبل أحبور في الجهة الشرقية- الجنوبية، و جبل شيرمان في الجهة الجنوبية- الشرقية.
ثم في الأول من نيسان/ أبريل، غادرنا الخان الساعة ١١ صباحا. و الجدير ذكره أن كل البضائع التي تنقل من المخا إلى صنعاء تمر بهذا المكان؛ و لهذا السبب يعد الطريق الرئيسي للبلاد؛ كما و أن العرب يعتنون أكثر بالطريق الذي يمر أمام هذا الجبل الوعر من ذلك الذي يمر بين جبلة و عدن قرب الحادي و أماكن أخرى لا يتردد عليها الناس كثيرا. و رغم أن الطريق كثير التعرجات، إلا أنه معبد معظمه مما يجعل التنقل عليه أكثر سهولة (*). و بعد مرور نصف ساعة وصلنا إلى كوخ شربنا فيه القهوة و وجدنا على بعد ٢٠ دقيقة من هذا المكان كوخا آخر شبيها به. اقتضى إذن النزول من الجبل ٥٠ دقيقة تقريبا؛ أي ما يعادل الربع ميل تقريبا.
اتجهنا جنوبا، لنصل إلى قرية كعدى، الواقعة على إحدى الهضاب. و مررنا بعدها بسهل فسيح، لنبلغ بلدة عماقي(Am ki) ، التي تبعد ميلين و نصف عن جبل محراث. و بعد أن قطعنا حوالي الميل، اتجهنا شرقا لننعطف بعدها جنوبا و نبلغ كوخ جعفر الذي يحمل اسم الشيخ جعفر المدفون على مقربة من هنا.
و خلال الرحلة كنت أدوّن أسماء الأماكن المميزة، التي كنا نعبر فيها أو نراها من بعيد، فضلا عن الملاحظات التي كانت تخطر على بالي؛ و هذا ما فعلته للمرة الأخيرة في جبلة. إذ سجلت أسماء المدن التي شاهدتها لا حقا على محفظتي؛ و لكنني أضعتها في ذلك النهار و لم أعد أذكر أيّا من تلك الأسماء.
و عند وصولنا إلى كوخ جعفر، كان الظلام قد هبط، ففضلنا قضاء الليل فيه، رغم أن صاحب المقهى رفض في البداية الذهاب لإحضار العلف لحميرنا. و رغم بساطة العشاء الذي تناولناه تلك الليلة استمتعنا به للغاية بعد أن أمضينا نهارا متعبا جدا.
(*) علم رحالتنا أنه ثمة طرق رئيسية كثيرة، بعضها معبّد، و يزيد طولها عن ١٠٠ فرسخ؛ و هذا الأمر مشار إليه في كتاب آخر. و لا أعتقد أن الناشر قد عثر على هذا المقطع في مخطوطة الرحالة، الذين لم يروا طرقا معبدة في اليمن إلا تلك التي تمرّ بمحاذاة الجبال الوعرة.