رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٩٢ - سير الرحلة من القاهرة إلى السويس و إلى طور سيناء
هذه الرحلات القصيرة ليست محفوفة بالمخاطر؛ فالعرب المقيمون بين الخليج العربي وجدة لا يكترثون إطلاقا لأمر الغفراء بين رأس محمد و السويس. أما نحن فكنا بحاجة إليهم. اتفقنا مع شيوخ القبائل الثلاثة على الذهاب إلى جبل المقطّم و طور سيناء. فأجّرونا جمالا لنا و لخدمنا، و من بينهم اليهودي و البحار اليوناني الذي عمل كطباخ لنا خلال هذه الرحلة علما أن طباخنا الأساسي بقي قرب صديقنا المريض.
شهد القاضي و حاكم السويس على الاتفاق الذي تمّ بيننا و بين العرب، و كان سنجق مصر هذا منفيا من القاهرة، كما سبق و ذكرت، و هو يكنّ احتراما كبيرا لأسرار العالم التي يدعي الشرقيون التنبؤ من خلالها بالمستقبل. فطلب مني الفحص في النقوش الغربية، التي نتوقع العثور عليها في الصحراء لتحديد مدة نفيه. فأردت أن أشرح له رأي الأوروبيين في هذا النوع من التنبؤات؛ و لكنه أكّد لي أن عالما مسلما حدّد له موعد عودته، و هو يريد أن يطابق تكهنات نقوش الصحراء بهذه النبوءة. و أعترف بأنني لم أتوقع أن يؤمن هذا الرجل الرفيع المستوى بالخرافات إلى هذا الحد. و لكن مهمتي في هذه البلاد لا تقضي بتحرير الناس من هذه الآراء السخيفة؛ لذلك اعتذرت منه لأنني لم أكن ملما بهذا العلم العظيم.
و في السادس من أيلول/ سبتمبر، عبرت و السيد دوهافن الخليج الغربي في زورق صغير؛ و نمنا في المساء التالي في الهواء الطلق على الضفة الشرقية للخليج المذكور قبالة السويس حيث اجتمع مرافقونا العرب الجدد. صباح السابع من أيلول/ سبتمبر، بدأنا رحلتنا إلى جبل المقطم برفقة الشيوخ الثلاثة المذكورين آنفا، و عدد من أصدقائهم و خدمهم الذين أوكلت إليهم مهمة نقل المياه من بئر نبا إلى السويس منذ فترة طويلة، و وجدوا هذه الفرصة مناسبة لزيارة أهلهم في الصحراء خاصة و أننا نتكفل بمصاريف الرحلة كلها.
فحين يسافر رجل عربي كريم النسب، يؤمن الطعام لمرافقيه كلهم؛ و لما كنا ندفع أموالا طائلة، لمشاهدة بعض النقوش القديمة في الصحراء ظنوا أننا غاية في الثراء. يمتد الطريق نحو الجهة الجنوبية- الشرقية؛ ليتحول بعدها نحو الجهة الجنوبية- جنوبية- شرقية، وصولا إلى عيون موسى حيث حططنا الرحال، تحت أشجار النخيل. و تقع السويس في الجهة الشمالية الغربية على بعد ٣٠ درجة، و الخليج الفارسي في الجهة الغربية على بعد نصف فرسخ و يبدو أن عرض الخليج في هذه البقعة يفوق عرضه في المنطقة الممتدة من السويس إلى جبل عتقة؛ و تكثر آبار المياه في هذا المكان على عمق قدم فحسب؛ كما و أن عيون موسى التي يبلغ عددها ٥ ليست أكثر عمقا. و هي تمتلىء أولا بالتراب و الأوساخ كما و أن الرمال تمتص الكمية الأكبر من مياهها. و قال لنا العرب، إن مياه عين واحدة منها صالحة للشرب؛ أما ما تبقى منها فهو ملوث. و لما كانت تحمل اسم موسى ظن العرب أن أولاد إسرائيل عبروا الخليج الفارسي في هذه البقعة فحملت بالتالي هذه العيون اسم زعيم الشعب اليهودي. و تكثر في هذه البقعة الأصداف التي تدل على تراجع مياه البحر بشكل ملحوظ.
و بعد أن غادرنا عيون موسى، عبرنا سهول الطواريق و وردان و الطي في الجهة الجنوبية- شرقية و الجهة