رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٥٩ - آثار مصر
و أسرعت نحو التلة، و لم أكد أصرخ لصديقي فورسكال أن هناك أناسا في السهل يعملون حتى استعاد الشيخ هيئته المجاملة و اللطيفة. و لم نشأ التقدم أكثر، فعدنا إلى قرية تبعد عن الجيزة حوالي نصف ميل، وعدنا العرب بإيصالنا إليها. خلال الطريق، تصرّف الشيخ معنا بطريقة وقحة للغاية، و حاول إفقادنا صبرنا، و عند ما افترقنا، طالبنا بالنقود، و كان ليكتفي بمبلغ لا يذكر لكن السيد فورسكال قرر عدم إعطائه المال. و حين رأى أنه لن يحصل على مبتغاه بالحسنى، نزع عن رأس صديقي عمامته، فما كان من هذا الأخير إلّا أن توجه إلى مرافقينا قائلا: «أيها البدويون، يظنون في بلادنا أن الإفرنج في مأمن حين يكونون تحت حمايتكم، و أنا الآن تحت حمايتكم. لكن إن كنتم ترضون أن يسلبني صديقكم، سأروي لمواطنيّ ما يحصل، و أعلمهم أنكم غير صادقين و غير أمينين». أثارت هذه الكلمات حمية العربيين فأجبرا الثالث على ردّ العمامة، لكننا لم نتخلص منه، فتحوّل نحوي، و لم أشأ إعطاءه المال، فأراد الاستيلاء على أسطرلابي الذي وضعته أمامي على ظهر الحمار. و لم أضبط أعصابي كصديقي، بل أمسكته بقطعة القماش الكبيرة التي تلف خصره، و بما أنه لم يكن ممسكا بلجام جواده، انطلق هذا الأخير و وقع الأعرابي أرضا. و اعتبر الشاب أنه تعرض لإهانة كبرى، إذ رماه أرضا مسيحي، فأخذ مسدسه وصوّبه نحو صدري، و لا أنكر أني أحسست بأن نهايتي اقتربت، لكن المسدس لم يكن محشوا. و حاول الأعرابيان الآخران تهدئة الشيخ، و نجحت كليا في ذلك حين منحته المال. و حين عدنا إلى الجيزة، سخر الآخرون منا، فقد أعلمونا بعدم الوثوق بالبدو و بأننا سنتعرض للنهب و السلب، لكني أعتبر أننا لو وعدنا الأعرابي الثالث منذ البدء بالمال، لجلنا في الأهرام بأمان. و لا يشكل العرب خطرا كبيرا بقدر ما يتصوّر الأوروبيون قبل اكتشاف طريقة تفكيرهم و تعلم لغتهم.
يعلو ذراع النيل الذي ذكرته و الذي يجري بين الجيزة و الأهرام جسران جميلان للغاية، يبلغ طول الأول ٦٠ قدما مزدوجة و الثانية ٥٠ قدما مزدوجة. ينقسم كل جسر إلى ١٠ قناطر. ٩ منها مسدودة بالتراب أو بسور مرتفع بعض الشيء. كي لا تمر مياه النيل بسرعة عند ارتفاع المنسوب أو تتراجع بسرعة عند انخفاضه. و نجد من كل جهة، و بين الجسور سدا مبنيا من الآجر و من الحجارة المقصوبة، و يبلغ طوله حوالي ١٥٠٠ قدم مزدوجة. يبدو لي أن المسلمين قاموا ببنائه، أو على الأقل عملوا على ترميمه، لأن الجسور تحمل كتابات عربية حديثة. و شاهدت في محيط الجيزة جسرين آخرين يقوم الأول على خمس قناطر و الثاني على ثلاث قناطر، و يحملون كتابات عربية (*).
(*) كان السيد دي هافن المكلف بالأبحاث حول تاريخ شبه الجزيرة العربية و لغتها لا يزال على قيد الحياة حين كنا في مصر، لذا لم أهتم بالكتابات العربية التي تكثر في مصر و التي تسلط الضوء على تاريخ هذا البلد. و اكتفيت بنقل الكتابات الهيروغليفية، لأنها تتطلب إلماما بالرسم و هذا أمر كان يفتقر له السيد دي هافن. و إليكم الكتابات التي وجدها على أحد الجسور قرب الجزيرة:
«بسم الله الرحمن الرحيم أخذ بتجديد هذه القناطرة المباركة بأمر مولانا الوزير المعظم حسين باشا ابن ... في شهر ربيع الأول سنة ١٠٨٧».-