رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٤٣ - الرحلة من القسطنطينية إلى الإسكندرية
حجزنا لأنفسنا حجرة القبطان، مع حجرة أخرى طويلة وضيقة تجتاز السفينة، مما يسمح لنا بالابتعاد كليا عن الأتراك حين نملّ رفقتهم. و تقع فوق حجرتنا، حجرة أخرى مخصصة للنساء من القيان المميزات أي اللواتي يريين كنساء كريمات النسب في تركيا. كان لقائد السفينة و البحارة حجراتهم تحت حجرة القبطان التي نقيم فيها و أمام تلك التي تقيم فيها النساء. و يبقى التجّار و الركاب الآخرون أياما بأكملها، على سطح المركب. و تجلس القيان في زاوية تحت سطح السفينة، أما الرجال فيحاولون إيجاد أماكن لهم من دون إزعاج الآخرين، و تتم معاملتهن بشكل جيد، لأنهن أعددن للبيع في مصر، لذا يحاول صاحبهن الوصول بهن إلى مصر معافين. كنت و السيد فورسكال نجلس غالبا بين متاعنا للقراءة أو للكتابة، و في يوم ما، سمعنا فوقنا صوت بعض النساء، و لم نتمالك أنفسنا من النظر عبر النافذة لاكتشاف المزيد، و بما أن القيان لم يعتدن هذه الحشرية، و حين اكتشفن أننا أجانب (لأننا لم نعتد اعتمار العمامة في غرفتنا كما يفعل الشرقيون) أخذن بالصراخ، و بإطلاق الشتائم. لكن ذلك لم يخفنا، حين رأينا إحداهن تحاول تهدئة الأخريات، و اعتدن تدريجيا على رؤيتنا. و عرضنا عليهن أنواعا عديدة من الفواكه و السكاكر المصنّعة في أوروبا، فكنّ ينزلن محارمهن من النافذة كي نضع فيها ما استطيبن، و قدمّن لنا بدورهن بعض الهدايا البسيطة. و لم نكن نتكلم التركية و لم يكنّ يتكلمن أية لغة أوروبية فاكتفينا بالإشارات، و رددت لي أجملهن بعض الكلمات، فسألنا أمين سرّ السفينة عن معنى بعض الكلمات التركية، لنفهم ما قالته، فعلمنا أنها أشارت إلينا بضرورة توخي الحذر و بعدم الظهور إلا في أوقات الصلاة، و حتى في وقت كهذا قد نتعرض لمفاجأة. أخيرا، اعتدن إعلامنا عند ما يكنّ وحيدات بالضرب على نوافذهن، و هكذا تسليت و السيد فورسكال مرارا، لكن لا أنصح أحدا بأن يحاول التعرّف على القيان التركيات و إن كان بهدف التسلية مثل ما فعلناه. و لم يكن من السهل أن يرانا ركاب السفينة و طاقمها لأن نوافذها من جهة الكوثل، و لو اكتشف أمرنا، لأوقعتنا حشريتنا في مأزق.
في ٢٥ أيلول/ سبتمبر ظهرا، و بعد أن قست ارتفاع القطب، علمت أننا لا زلنا بعيدين عن الشواطىء المصرية، لكن قائد السفينة اعتقد أننا اقتربنا، فأمر بإنزال الأشرعة في الليلة التالية. و لم نر اليابسة إلا في السادس و العشرين ظهرا، و كنا إلى الشرق فيما الرياح تتحول نحو الغرب فلم نصل ميناء الإسكندرية إلا في المساء و بعد جهد جهيد. و للمدينة مرفآن، أحدهما يسمى القديم و هو الأكبر و الأعمق و الآمن، فرسونا فيه، فيما تضطر السفن الأوروبية إلى الرسو في المرفأ الشرقي السيىء. و لم نغادر السفينة إلّا في اليوم التالي، بينما نزل معظم الركاب الآخرين فور رسونا، أمّا النساء العبيد، فتمّ نقلهن ليلا و بسريّة تامة. و توفي ستة إلى ثمانية أشخاص من ركاب السفينة أثناء هذه الرحلة القصيرة و من بينهم ملّاح اعتاد التردد علينا في الأيام الأولى، و يعتقد أن الطاعون قضى عليهم، لكن لعل أسبابا أخرى عجّلت بموتهم. و لم تصب بعثتنا، بفضل الرب، بأي مرض معد بالرغم من أن طبيبنا عاد العديد من المرضى.