رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٣٤ - ملاحظات في جدة
برأيي، تعرّض لتغييرات عدة، و نجد في شمال غرب المدينة، و على مسافة قريبة من الضريح المذكور، تلالا عالية، تكثر فيها الأصداف و أحجار المرجان المتحجرة أو المدفونة في الرمال، و يكفي أن نراها و أن نقارنها مع صخور المرجان الموجودة بكثرة تدريجيا في هذا المكان. و لا أظن أن مدينة جدة تقوم حاليا في المكان نفسه الذي قامت فيه المدينة التي تحمل الاسم نفسه و المذكورة في سيرة محمد (*). و تتوسع جدة أكثر و أكثر نحو الغرب، أما مستوى مياه المرفأ فمنخفض للغاية، حتى أن المراكب الصغيرة تضطر لانتظار المدّ لتنقل البضائع إلى اليابسة أو لتحمّلها.
و لا تحافظ مياه البحر التي تغطي هذه الشواطىء على الارتفاع نفسه طوال فصول السنة، إنما ترتفع تدريجيا من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر و حتى شهر نيسان/ إبريل، حين تهبّ الرياح الجنوبية، ثم تنخفض أثناء الأشهر الستة الأخرى، حين تهب الرياح من الشمال (**). و لا يظهر الفرق شاسعا بشكل عام، لكن، حين وصلت إلى جدة، رأيت المسافة بين المرفأ الكبير و مرفأ السفن الشراعية جافة خلال الجزر، و عند ما حان موعد رحيلنا، وجدت المياه تغطي المكان باستمرار. كما تغطي المياه، حين يرتفع مستواها، سهلا، يقع في الجنوب خارج المدينة، و بعد أن تتبخر بفعل حرارة الشمس المرتفعة تترك وراءها ترسبات من الملح.
زد على ذلك أن ضواحي جدة رملية و غير صالحة للزراعة.
رسمت خارطة هذه المدينة و محيطها على اللوحة(IV) ، لكن تجدر الإشارة إلى أني لم أقس إلا الجزء الواقع من جهة البحر، و لم يكن بإمكاني أن أجول في المدينة كلها كما ذكرت سابقا. لكني حددت موقع جزء من السور، و عددت من بعيد خطى عربي رأيته يمشي قرب هذا السور. و لم أستطع إدراج كافة الشوارع، إذ لم يكن يسمح لي بالاقتراب من الباب الواقع من جهة مكة. و نجد في هذا الحيّ عددا من الأكواخ الخشبية، المغطاة بالقش أو بالعشب، و قد نجد بعض المنازل الحجرية المتفرقة حيث أشرت إلى وجود أكواخ فقط. و سأضيف هنا تفسير الأرقام التي دوّنتها على الخارطة: ١) منزل الباشا، ٢) باب الشريف، ٣) باب الحديد، ٤) باب مكة، ٥) مراقب قرب الدرب المؤدي إلى مكة، ٦) سهل، يجمع منه الملح الذي تركته المياه بعد تبخرها، ٧) مدافن المسيحيين، ٨) برج، تهدم كليا، و فيه مدافع، ٩) مرفأ السفن الحربية، و لم أسمع بسفن حربية يملكها الباشا في الخليج العربي، ١٠) منزلنا، و بالتالي المكان الذي أجريت فيه الدراسات الفلكية، ١١) الجمارك، ١٢) منزل الكخيا، ١٣) أمنا حوّا أو ضريح حوّاء، ١٤) تلال عالية مغطاة بالأصداف و أحجار المرجان، ١٥) مرسى السفن القادمة من السويس و الهند.
إننا لا نجد إلّا القليل من المياه في الخليج الصغير الذي يسمى مرفأ السفن، و بما أني غالبا ما ترددت إلى هذا المكان، لمراقبة المدّ و الجزر، تسنّى لي أن أرى كيف يصطاد العرب البط. حين تظهر إحدى هذه
(*) التاريخ العالمي المعاصر، الجزء الأول، ص ٤١.
(**) وصف شبه الجزيرة العربية.