رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٥٦ - سير الرحلة من المخا إلى بومباي
شمالا، لأن الرياح الجنوبية كانت تعيق عملية الإرساء. و بعد عناء و جهد، ألقينا المرساة في ١١ أيلول/ سبتمبر في مرفأ بومباي، و دخلنا إلى المدينة، صباح اليوم التالي.
علم القراء أن ملك سردينيا، أرسل إلى البلدان الشرقية، مجموعة من العلماء، أثاروا خلافات حادة عند وصولهم إلى الاسكندرية في مصر، و لم يسمح إلا للسيد دوناتي، الذي كان يترأس المجموعة، بمتابعة الرحلة بينما عاد الآخرون إلى أوروبا. و يبدو أن أحدا لم يسمع شيئا عن السيد دوناتي، حتى العام ١٧٧٢، لذلك وجدت نفسي مجبرا على ذكر الموضوع. فالذين أتيحت لهم فرصة التعرف على هذا العالم، في الشرق، يثنون على مهارته في التاريخ و على فعاليته في الأبحاث الأثرية، و أخبرني القنصل فيرو في القاهرة القصة التالية: وصل السيد دوناتي إلى القاهرة، آتيا من الإسكندرية؛ و عبر بعدها النيل ليصل إلى مصر العليا. و في أحد الأيام، غادر سفينته ليرسم بعض الآثار، فاعترض فارسان عربيان طريقه؛ فتوسل إليه خدمه و بعض التجار المرافقين له، أن يعود أدراجه، حتى لا يقع ضحية هذين اللصين؛ غير أنه تابع الرسم، بينما عاد رفاقه إلى السفينة. انقض الفارسان على السيد دوناتي، و حاولا ضربه برماحهما؛ و لكنه كان مسترسلا للغاية في الرسم إلى حد أنه لم يعرهما اهتماما، و لم تظهر عليه بوادر الخوف منهما. فتعجب الفارسان من تصرفات هذا الرجل؛ فترجلا عن جواديهما، و جلسا بقربه، إلى أن أنهى الرسم، و تركاه بعدها يعود سليما معافى إلى سفينته. و لعل الناس غالوا في رواية هذه القصة، غير أن السيد دوناتي تابع أبحاثه بثقة و نشاط؛ و على كل رحالة يبغي الاستفادة من رحلة مماثلة أن يحذو حذوه.
قبل ستة أشهر من وصولنا إلى القاهرة قصد السيد دوناتي دمشق، و منها إلى بغداد و إلى البصرة برفقة خادم إيطالي، و شاب من القاهرة يجيد اللهجات الشرقية كلها. و بعد وصوله إلى البصرة، أبحر برفقة أربعة رهبان كرمليين إلى مسقط، على متن زورق إنقاذ صغير، علما أنه لا تكثر في ذلك الفصل السفن المغادرة إلى الهند. و بعد أن ملّ من مسقط، أبحر ثانية برفقة الرهبان المذكورين آنفا، باتجاه مرفأ مانغلور، على ساحل مالابار. غير أنه مرض في الطريق، و أسلم الروح بعد ثلاثة أيام، قبل أن يبلغ مركبه المرفأ المذكور. ترك دوناتي مبلغا من المال لترجمانه، حتى يتمكن من العودة إلى مصر، و لخادمه، ليعود إلى إيطاليا؛ فقصد بومباي، و منها إلى مسقط، قبل بضعة أشهر من وصولي إلى المدينة. قبل لي في البصرة إن تاجرا إنكليزيا اصطحب الترجمان معه إلى حلب. أما الخادم الإيطالي فخسر جزءا كبيرا من أمواله في بومباي، و اعتنق الإسلام في مسقط.
يبدو أن السيد دوناتي اتخذ الإجراءات اللازمة، ليبلغ بلاده بآخر أخباره، و يرسل إلى إيطاليا أوراقه و أمواله مع الرهبان الأربعة. و لقد قابلت في بومباي أحد الرهبان الكرمليين، الذي أكّد لي أنه سلّم أغراض السيد دوناتي إلى السيد فيربير. مما يشير إلى أنهم لم يستلموا شيئا في تورين، كما و أنهم لم يعرفوا شيئا