رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٩٨ - سير الرحلة من القاهرة إلى السويس و إلى طور سيناء
لا يختلف نمط حياة هؤلاء العرب عن نمط حياة العرب الرحل و الأكراد و الأتراك؛ فخيمهم مشابهة لخيم عرب مصر كما يبدو جليا في لوحة نوردن رقم ٦٥. ترتكز الخيمة على سبع أو تسع عصي، ثلاث منها أعلى من سواها، و الوسطى هي الأكثر ارتفاعا. يتألف الفسطاط من قماش كتاني سميك أسود اللون، أو مقلم بالأبيض تحيكه نساء الصحراء بأنفسهن. تقسم الخيمة إلى جناحين أو ثلاثة واحد للنساء و آخر للرجال، و ثالث للحيوانات، أما الذين لا يملكون ثمن خيمة فيضعون القماش على ٤ أو ٦ أوتاد، ليقيهم من الحرارة و الأمطار؛ فالهواء العليل الذي ينسم تحت الأشجار ينعشهم و يمنحهم شعورا لطيفا في هذه البلاد الحارة. و يقتصر أثاث الخيم على الحصر التي تستعمل كطاولة و مقعد و سرير. و يحتفظ العرب بثيابهم في أكياس مغلقة موضوعة في شق القماش؛ كما و أن نقل الأدوات المطبخية سهل للغاية: فالأواني و الصحون مصنوعة كلها من النحاس المبيّض، و بعد نصب الخيام، توضع الأواني على الحجارة أو في حفرة في الأرض و لا يستعملون الملاعق و الشوك و السكاكين. و تحل رقعة جلدية مستديرة محل غطاء الطاولة، يحتفظون فيها ببقايا الطعام. أما الزبدة التي تذوب في البلاد الحارة، فتنقل في أوعية من الجلد.
و أما المياه فتوضع في جلد الماعز لتسكب بعدها في طاسات من النحاس المبيّض من الداخل و الخارج. و من المؤكد أن سكان هذه البلاد لم يسمعوا بطواحين الهواء أو المياه؛ و لكنهم يطحنون القمح بواسطة مطحنة يدوية صغيرة. و لا نجد في الصحراء أفرانا للطهو؛ و بعد أن يعد العرب قالب حلوى مسطّحا يخبزونه على صفيحة معدنية مستديرة؛ و إن لم تتوافر هذه الصفيحة، أعدوا كبيسات من العجين و وضعوها فوق الجمر، و غطوها حتى تنضح جيدا. و يشكل الخبز الطازج غذاء الشرقيين الأساسي؛ فيتزودون بالتالي بكميات كبيرة من الطحين خلال تنقلهم في الصحراء.
و رغم أنه كانت تجتاحني رغبة شديدة في رؤية نموذج من تلك النقوش القديمة، لم أستطع إقناع أي عربي بمرافقتي في ذلك النهار. و لما كانت أرض غفيري غير محفوفة بالمخاطر جبت وحدي الوديان المجاورة و تسلقت الهضاب الوعرة. و لكنني عدت عند المساء منهكا من دون أن أعثر على أي أثر للنقوش.
و خلال نزهتي شاهدت خلف إحدى الهضاب خيمة صغيرة منعزلة أكبّت فيها زوجة الشيخ و أخته على طحن القمح و طهو الخبز. و لا تحرص نساء عامة الناس عند العرب على حجب وجوههن عند اقتراب رجل غريب منهنّ؛ خرجت إحداهن من الخيمة من دون أن تضع النقاب على وجهها و قدمت لي الصمغ و أظنها كانت تتوقع هدية في المقابل، لأنها قبلت المال الذي قدمته لها. و أعتقد أن العرب اعتادوا على تقديم الهدايا للأجانب. و لقد قابلت في مكان آخر ابن الشيخ قرب قطيع الماعز. و كان يعلم أن والده يرافقني في رحلتي بالصحراء. و بعد أن تحدثت إليه طويلا، أعجبت بثقته بنفسه، التي ظهرت من خلال رده على أسئلتي. و رغم أنني لم أكن أحسن اللغة العربية جيدا، و أنه لم يتحدث من قبل مع رجل أجنبي لم يشعر أبدا بالخوف الذي ينتاب أولاد الفلاحين في وضع مماثل. و دعاني إلى منزله لشرب المياه العذبة.
و كان ودودا معي للغاية، حتى أنني لم أستطع رفض دعوته رغم أن الوقت كان متأخرا. و لقد لا حظت أن عرب هذه المنطقة يسمون خيمهم بالبيت أو الدار.