رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٢٨ - الرحلة من تعز(TAA'S) إلى صنعاء
في المخا و بالتالي في هذه المملكة، و الذي أكدّ لنا أنه لم يفهم الكثير من الإمام. و بما أننا لم نتمكن من التحدث مباشرة، إنما عن طريق غرباء، أوجزنا الحديث، و لم نر ضرورة لإعلامهم بأننا قطعنا هذه المسافات الطويلة، فأوضحنا للإمام أننا أبحرنا عبر الخليج العربي لأنه الطريق الأقصر للوصول إلى الهند من أوروبا. و لم ننس أن نذكر، أننا سمعنا الكثير من الإطراء و المديح حول الثقة و الأمن المستتبين في الدول الخاضعة للإمام، فدفعتنا رغبتنا لرؤية هذه المملكة قبل رحيل آخر سفينة إنكليزية، كي نتمكن، بصفتنا شهود عيان، من الثناء على هذه البلاد. فردّ الإمام مرحّبا بنا في بلاده، و منحنا حرية الإقامة فيها بقدر ما يحلو لنا أو بقدر ما تسمح به أعمالنا. و بعد أخذ ورد، استأذنا، بعد أن قبلّنا يد الإمام من جديد وسط الهتافات المعتادة، و قطعنا صالة طويلة ثم خرجنا من الباب دون أن نضيف أية إطراءات. و لقد حفرت هذه الجلسة على اللوحة(LXIX) .
و عند عودتنا، أرسل لنا الإمام أحد عشر كيس نقود، واحد منها لخادمنا من المخا، الذي عمل كمترجم لنا، يحتوي على ٩٩ خماسي و هي قطع نقدية تبلغ قيمة كل ٣٢ منها درهما واحدا. و احتفظ الصرّاف لنفسه بدرهم بالمئة، إما لأنها عادة في البلاد و إما إنه يفعل ذلك من دون علم الإمام. و قد تبدو هذه الهدية التي أرسلها الإمام بالعملة المحلية منافية للياقة، لكن إذا ما اعتبرنا أنّ ما من إنسان يمكن أن يعيش في هذه البلاد بالدين، أو في فندق، و أننا مضطرون لشراء حاجاتنا من السوق نقدا و لتحضير طعامنا بأنفسنا، تعتبر هذه الفعلة لطفا منهم اتجاه الغرباء، كي لا يخدعهم الصرافون و لتجنيبهم هذا العناء.
و احترنا في قبول أو عدم قبول هذه الهدية لا سيّما و أننا لم نشأ العيش على حساب العرب كي لا نعطيهم حجة ليتمنوا رحيلنا، لكن رفضها سيعتبر إهانة لذا قررنا الاحتفاظ بها.
و لا يقابل السلطان، في تركيا، شخصا ما إن لم يكن الوزير قد رآه، لكن العادة مختلفة في اليمن فبعد أن نلنا شرف مقابلة الإمام في الصباح، أرسل الفقيه أحمد بطلبنا بعد الظهر إلى منزله الريفي في بئر القصب، و طلب منا إحضار الغرائب التي شاهدها معنا الأمير فرحان في لحية، و بعض أعيان العرب في المدن الأخرى. لكن هذه النوادر الجميلة لم تكن سوى المجاهر و المحراث، و المناظير، و الكتب العربية المطبوعة، و الألواح، و أدوات الرسم فضلا عن الخرائط الجغرافية و الهيدروغرافية، و الإبر الممغنطة الخ و التي حملناها معنا لاستعمالنا الخاص، لكننا عرضناها لاحقا عن طريق الإمام. و تبينت أن خوفي هذا لم يكن مستندا إلى أيّ أساس منطقي، لأن الفقيه استقبلنا بتهذيب و أدب بالغين، و أعرب عن إعجابه بما عرضناه أمامه، و طرح علينا بعض الأسئلة التي دلّت على اطلاعه على العلوم أكثر من أبناء بلاده الآخرين، و على كثرة تعامله مع الأجانب من أتراك و فرس و هنود، مما مكنه من جمع معلومات واسعة حول الجغرافيا.
و يظن معظم العرب أن أوروبا تقع إلى الجنوب من بلادهم، لأن السفن الأوروبية التي ترسو في مرافئهم تأتي من المناطق الجنوبية، لكن الفقيه أحمد يعرف موقع دول أوروبا كافة، و يعرف الدول الأقوى برا