رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٥١ - الرحلة من صنعاء إلى المخا
أما بالنسبة للسفن الإنكليزية الأربع التي كانت في المخا هذه السنة، فقد غادرت ثلاث منها نحو الهند عند عودتنا من صنعاء، و عادت أولى السفن التي أبحرت نحو جدة في ٩ آب/ أغسطس، و الثانية في ١٠ و الأخيرة في ١٧ من الشهر عينه إلى المخا على أن تعاود الإبحار نحو الهند. و بما أن العرب لا يملكون سوى البن يبادلون به البضائع الأوروبية، و بما أن الهنود لا يستسيغون هذا الشراب كثيرا، عادت السفن بأغلبها إلى الهند شبه فارغة، إلا أن السفن الأخيرة تكسب أكثر عند عودتها منها عند رحيلها، لأن تجار المدينة يؤجلون إرسال ثمن البضائع الهندية حتى تبحر آخر سفينة (*)، لذا حمل المركب الأخير القادم من جدة على متنه حوالي مليون قرش من جدة نقدا، فيما حمل المركب الذي انتقلنا على متنه إلى المخا ٢٥٠٠٠٠ درهم نقدا، و قد كلّف نقل هذه المبالغ الضخمة الكثير من المال.
و تتألف هذه المبالغ من عملة البندقية و عملة ألمانيا و عملة الأمبراطور و بالتالي من أموال أوروبية، و يمكننا أن نتصور بسهولة أن السفن الإنكليزية و الهندية الأخرى حملت معها مبالغ طائلة من جدة و المخا، كما تعود المراكب من البصرة إلى الهند محملة بالنقود التي انتقلت قبل ذلك من أوروبا إلى تركيا. و إذا ما لا حظنا كمية النقود التي تنتقل سنويا من أوروبا إلى الهند و إلى الصين، هل ينبغي أن نستغرب إذا ما فقدت أوروبا مخزونها من الذهب و الفضة، إذا ما استثنينا كنوز أميركا؟
ذكرت سابقا الأمم الأوروبية التي تاجرت و لا زالت تتاجر مع المخا، و التي تتمتع بامتيازات فيما يتعلق برسوم الدخول لا ينالها المسلمون، و إذا ما فكرت أمّة أوروبية أخرى بإرسال سفن إلى المنطقة، يسهل عليها نيل التسهيلات نفسها. و عند وصول سفينة غريبة إلى مرفأ المخا، لا ينبغي أن تحيي بطلقة مدفع إنما عليها رفع علمها، فيرسل صاحب الدولة مركبا للاستطلاع و لمعرفة سبب قدومها البلاد. و إذا ما تعرض القبطان لبعض المصاعب، عليه أن يكتفي بالقول إن هدفه هو الوصول إلى الحديدة و إلى مخية، و هذا ما لا يقبله صاحب الدولة بسهولة، خوفا من أن يفقد الهدايا التي يحملها مركب كهذا، و رسوم الدخول التي يدفعها دائما. لكن الدول التي لا تملك مراكز لها في الهند، لن تجني الكثير من التجارة في الخليج العربي، إذ إن البضائع الأوروبية التي يستخدمها العرب قليلة. و ينبغي أن يحمل الأوروبيون، الذين يتاجرون مع المخا، معهم بضائع من الهند، و لا يجدون ما يشترونه بالمقابل سوى البن الذي يمكنهم الحصول عليه بكلفة أرخص مما لو أرسلوا سفينة إلى الخليج لهذا الهدف فقط، و ذلك من المراكب التي تحمّله كي لا تعود إلى الهند فارغة. و يتم استهلاك كمية كبيرة من الحديد في شبه الجزيرة العربية، كما ذكرت في (وصف شبه الجزيرة العربية)، و يشتريه الإنكليز من الدانمارك ثم ينقلونه إلى المخا و جدة،
(*) يدفع تجار مخا ما يتوجب عليهم على ثلاث دفعات في السنة، تتراوح مهلة كل دفعة حوالي ١٠٠ يوم، الأولى من ١٧ أيلول/ سبتمبر إلى ٢٣ ك ١/ ديسمبر، الثانية من ٢٣ ك ١/ ديسمبر حتى ٢ نيسان/ إبريل، و الثالثة من ٣ نيسان/ إبريل و حتى ١٠ تموز/ يوليو، و ينبغي أن يدفع ثمن البضائع التي تشترى خلال هذه الفترة، و استنادا إلى تلك القوانين، قبل انتهاء المهلة المحددة.