رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٤ - ملاحظات من القسطنطينية
و تبنى المنازل من الخشب الرقيق حتى ليظن المرء أن هيكلها أقفاص للطيور، أما الجدران فمن الآجر غير المشوي. و تبنى القصور و الأبنية العامة من الحجارة و بشكل متين، لكن لا يظهر منها من جهة الشارع إلا الجدران الشاهقة، و للقصور و المنازل العادية مساوئها، فالمنازل المبنية من الآجر تدفن من فيها عند أقلّ هزّة أرضية، و القصور المضاءة بالمشاعل تحرق ساكنيها. و هذان النوعان من الحوادث شائعان في هذه المدينة. و يبقى مرفأ القسطنطينية أجمل مرفأ في العالم، و هو يمتد على مساحة شاسعة، و يمكن للمراكب أن ترسو في أي جهة منه و بأمان تام، كما يمكنها الاقتراب من الشاطىء و تحميل ما جاءت من أجله. إن موقع القسطنطينية بين البحر الأسود و الأرخبيل، فضلا عن الأعمال المزدهرة التي تجذب سكان الضواحي و المدن المجاورة تجعل من هذه المدينة محطة للسفن و المراكب، حتى أن البحر يبدو و كأنه مرصّع بها.
يقع سراي السلطان على مرتفع عند الطرف الشرقي للمدينة، عند مدخل المرفأ، أمام المضيق الممتد إلى البحر الأسود أي البوسفور، و هو بالتالي مطلّ على مناظر جميلة من كافة الجهات، كما نستنتج من الخارطة التي أوردتها هنا. و يفصله عن المدينة سور عال، يمكنه أن يدفع عن السلطان غضب رعاياه لكنه لا يحمي المدينة، لكن تحيط به من جهة المياه مجموعة من المدافع القادرة على الدفاع عن مدخل المرفأ و المضيق الممتد نحو البحر الأسود. و يمتد السراي على مساحة شاسعة و يضم الكثير من الجنائن، و تبدو الأبنية العامة كلها و كأنها مطلية بالرصاص. لم ألج سوى الفناء الخارجي للسراي، فلا يسمح بالدخول إلى حرمه، لم أر فيه ما يلفت الأنظار سوى بيت المال السيىء البنيان فضلا عن بعض الإسطبلات. نقرأ في بعض الأعمال التي وصفت القسطنطينية أن عبارة «الباب» أو «الباب العثماني» المستخدمة في أوروبا تأتي من مدخل هذا الفناء الخارجي لكن لست أدري عمّا استندوا في حكمهم هذا. يطلق الأتراك على الباب اسم قبو كما يطلقون الاسم نفسه على القصر، لكن يشار بهذا الاسم في القسطنطينية إلى قصر الوزير. و قيل لي إنه إذا ما أرادوا استخدام هذه الكلمة للدلالة على قصر السلطان، ينبغي أن يقال سلطان قبوسي، كما يقال آغا قبوسي للدلالة على قصر آغا الانكشاريين.
و يقصد مترجمو السفراء الأوروبيين يوميا تقريبا الباب أي قصر الوزير، لأنه محل إقامة مترجم السلطان كي يبقى قريبا من الوزير أو الريس أفندي إذا ما أراد محادثته أو التكلم مع مترجم أوروبي. و لعل الأوروبيين الذين سمعوا أولا بالباب أو بمحكمة الوزير، ظنوا أن المقصود هو بلاط السلطان، لذا أطلق اسم الباب العثماني على بلاط سلطان العثمانيين. و لست على اطلاع على اللغة التركية للادعاء بأنه من الخطأ الإشارة إلى بلاط السلطان باسم الباب، لكن لا أظن أن أصل الكلمة يعود إلى الباب الخارجي لبلاط السلطان.
إليكم أسماء المساجد الكبرى أو مساجد السلطان كما تسمى هناك: آيا صوفيا: حوّل الأتراك هذا