رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٢٦ - الرحلة من تعز(TAA'S) إلى صنعاء
منزله في الجوار، لكن تبين لنا أنه بقي و الخدم المسلمين على ظهور حميرهم، و أن مسافة طويلة تفصلنا عن المنزل الذي سنقيم فيه، و استقبلنا أسوأ استقبال في ذاك اليوم كما لم يحصل معنا قط من قبل في أية قرية يمنية. و كان يمكن أن نصادف في منزل ما، أناسا يوفرون لنا الماء و الخبز، فيما لم نجد في منزلنا سوى غرف فارغة. و بما أننا كنّا نتوقع دخول عاصمة المملكة في ذاك اليوم، لم نتزود بالمؤن اللازمة، و انتظرنا طويلا لنحصل على مرطبات من المدينة، و كنا نودّ أكل العنب. عدا ذلك، لم نقم منذ فترة طويلة في منزل نزه كذاك الذي خصصه لنا الإمام، ففيه شقق جميلة، و تحيط به حديقة غنّاء تكثر فيها الأشجار المثمرة التي تبدو و كأنها نمت من دون زراعة، و قد تمّ تنسيقها على الطراز العربي، فلا تجد فيها فيئا أو ممرات.
و في اليوم التالي لوصولنا إلى بئر القصب، أي في ١٧ تموز/ يوليو صباحا، أرسل لنا الإمام هدية، و هي خمسة خراف، و حمل ثلاثة جمال من الخشب، و كمية كبيرة من الشمع، و الأرز، و التوابل المختلفة.
و اعتذر المكلّف بتقديم هذه الهدية منا، لأن الإمام غير قادر على استقبالنا في هذا اليوم و في اليوم التالي لأنه مشغول بدفع أجور جنود حاشد و بكيل الخاضعين له. و لم يؤثر علينا هذا الخبر إذ لم نقصد صنعاء بهدف تقديم الطاعة للإمام بل لزيارة المدينة و المناطق المجاورة و للتعرف على أناس يعطوننا معلومات حول هذه البلاد. لكن فرض علينا عدم الخروج من المنزل قبل مقابلة الإمام، و أثار هذا الأمر استياءنا، إذ لم نشأ تضييع الوقت، و لم نكن واثقين كل الثقة من أن الإمام سيدعونا بعد يومين.
و لم يعلمونا بأن استقبال شخص من أهالي البلاد، قبل مقابلة الإمام، مخالف لأصول اللياقة تجاهه؛ و كنا قد تعرّفنا من قبل على شخص من صنعاء و هو يهودي، سافر معنا من القاهرة إلى لحية. و بالرغم من أنه من أغنى عائلات اليهود و أهمها، رافقنا كخادم لتوفير مصاريف الرحلة من جهة، لأن يهود شبه الجزيرة العربية يعرفون قيمة المال كإخوانهم في أوروبا، و للسفر في حمايتنا بسهولة أكبر من جهة أخرى، لأن الأتراك، الذين يحجون من القاهرة إلى جدة، يحتقرون اليهود و يسيئون معاملتهم حين يصادفونهم.
و حين علم هذا اليهودي بقدومنا، زارنا مع واحد من أكبر علماء الفلك عندهم، ليشرح لي الاسم العبري لبعض النجوم التي ذكرت في الكتب المقدسة (وصف شبه الجزيرة العربية). و وصل في الوقت نفسه كاتب الفقيه أحمد، فوقف اليهوديان لكنه لم يسرّ لرؤيتهما، و استاء من كونهما تجرآ و دخلا بيتنا قبل أن نقابل الإمام، و طردوهما من بيتنا كما كلّف خدمنا المسلمين بمنع دخول أي شخص كان قبل أن يرانا سيّده. و أثارت هذه الأعراف العربية استياءنا، لكن السفراء العرب لدى الملوك الأجانب يلتزمون بها، و لم يرض سفير باشا طرابلس بتوجيه الكلام إلى أحد عند دخوله كوبنهاغن قبل مقابلة وزير الدولة. و لعل الكاتب المذكور أعلاه ظن أن رفقة اليهود لا تسرّنا كما لا تسعده هو، و أنه أسدى لنا معروفا بطردهم من منزلنا.