رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٦٣ - رحلة من مخيّة إلى بيت الفقيه
و لأن السفر إلى تهامة آمن تماما كالسفر إلى أوروبا، لم نكن بحاجة إلى انتظار انتقال القافلة. لكن بما أننا توقفنا في ٢٠ آذار/ مارس للذهاب إلى مخيّة أرسلنا في ذلك اليوم جمالنا محملة بأغراضنا بالإضافة إلى خادمين ليهتموا بها. و بعد مرور ساعات، لحقنا بهم على ظهر الحمير. ثم مررنا بمنطقة قاحلة و صحراوية بالقرب من الخليج ثم ارتحنا في مقهى ليس سوى كوخ قريب من قرية تدعى عكام(Oke ?m) .
تقع هذه القرية على الخط المستقيم الذي يبعد ميلين ألمانيين عن جنوبي شرقي مخيّة و تبعد قليلا عن البحر و لا نجد في جوارها ماء عذبا.
و خلال وصفي لهذه الطريقة سأستعمل دوما كلمة كوخ للإشارة إلى المقهى و يسمي العرب هذه الأكواخ مقيلة(Mokeija) . و حتى لا يظن القارىء أن الخدمة في هذه الأكواخ جيدة مثل خدمة المقاهي الأوروبية سأقول لهم أولا إن هذا المقهى سيىء البناء لدرجة أن بيوت مخيّة الأكثر فقرا تظل أفخر منه.
فأحيانا لا نجد فيه أي سرير و تنحصر فيه الضيافة على القهوة التي تقدم في فناجين من فخار. و العرب الأثرياء الذين لم يعتادوا على شرب القهوة في أقداح مماثلة يحملون معهم أثناء السفر فناجينهم الصينية المصنوعة من الخزف. و يقدم الماء العذب مجانا في هذه الأكواخ و يعتبر المرطب الوحيد.
انطلقنا في اليوم نفسه من «أقام» و بعد أن اجتزنا أربعة أميال إلى الجنوب الشرقي، وصلنا إلى قرية الجالية عند منتصف الليل. و لقد كانت المياه فيها سيئة للغاية و كنا في هذا اليوم قد سرنا ستة أميال ألمانية.
في ٢١ شباط/ فبراير توجهنا نحو الجنوب الشرقي و وصلنا إلى حميان(Hamj n) و هي القرية الأولى التي وصلنا إليها بعد أن اجتزنا ميلا و ربع الميل. و من حميان وصلنا إلى سبأ(S bea) التي تبعد ربع ميل عنها و منها إلى منير(Meneyre) و هي تبعد ربع ميل عن سبأ. إن قرية منير متوسطة الكبر و فيها مسجد جميل و نزل يقصده المسافرون فيتلقون الخدمة مجانا لو شاؤوا الاكتفاء بنمط حياة أهل البلد فيستقبلون في كوخ مشترك و يعطون سريرا و خبز الذرة الساخن و حليب الناقة و الزبدة. و جدير بالذكر أن مثل هذا النزل لا يفرغ أبدا من المسافرين. و لو كانت هذه الضيافة موجودة في أوروبا لكان عدد النازلين هنا أكبر بكثير. ثم ما إن علم صاحب نزلنا بوجود أشخاص أوروبيين في دياره حتى سارع إلينا شخصيا لمعرفة ما إذا كنا نحظى بمعاملة حسنة و لو أننا تمكنا من المكوث لفترة أطول لذبح نعجة على شرفنا. و لقد خبز لنا خبز الحنطة و هو نادر في القرى ثم أحضر لنا خدمه حليب البقر بعد أن لاحظوا أننا غير معتادين على شرب حليب النوق. و يقال إن هذا الحليب منعش و صحي في البلاد الحارة لكنه لزج كثيرا فإذا وضعنا إصبعنا فيه ثم رفعناه، يمتد الحليب مثل الخيط. و رأى خدامنا العرب أن صاحب النزل سيستاء إن نحن عرضنا عليه دفع مصروف إقامتنا عنده لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار ما حدث لا حقا لكنا عرضنا عليه هدية و حسب. فلقد استأذنا للرحيل دون أن ندفع شيئا و دون أن يسألونا أن ندفع شيئا لكن الخادم الذي لم يتجرأ على طلب أي شيء في حضور سيّده تبعنا للحصول على هديّة بعد أن تأكد أننا ابتعدنا مسافة لا تسمح لسيّده برؤيته.