رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٩٧ - في بولاق و مصر العتيقة و الجيزة
الذين يصنعون القماش المذكور آنفا، و أنا أتأمل القصر، فدعاني لشرب القهوة في منزله. فسألته عن يوسف الذي يحمل هذا البناء الجميل و الينبوع المذكور اسمه آنفا، فقال لي إنهما بنيا منذ ٦٠٠ سنة، على يد صلاح الدين. و هذا الأمر ليس خاليا من الصحة لأن الأمير المذكور بنى عدة أماكن عظيمة.
و كان يسمى يوسف والد المظفّر، ابن أيوب. أما الأسماء الأخرى التي حملها، مثل السلطان و الملك و النصر، و صلاح الدين، فهي ألقاب شرف، و نشاهد قرب قصر يوسف هذا حوالي الثلاثين عمودا من الغرانيت الأحمر؛ و لكنها لا تضاهي عمود بومبي، في الإسكندرية، جمالا و عظمة. أما الطريق المؤدي إلى صف الأعمدة هذا فهو محفور في الصخر؛ و نشاهد على سور أحد الأبنية صقرا منقوشا عليه، زالت ملامحه مع مرور الزمن.
لم تعد القرافة مأهولة بالسكان؛ لكننا نرى فيها جوامع جميلة مهدمة جزئيا، و أضرحة ملوك مصر القدامى. و في هذا المكان بالذات، دفن الشافعي، مؤسس أحد المذاهب الأربعة التابعة لأهل السنة.
و كانت النساء المسلمات تزرن هذا المكان، خاصة نهار الجمعة، إما للعبادة أو للتنزه. في الجهة الأخرى للقصر، بين جبل المقطم و المدينة، نشاهد عددا كبيرا من الجوامع المتداعية، و دور عبادة مجاورة لقبور المسلمين الأثرياء، و التي يبلغ طولها حوالي الميل (*).
و نجد أنفسنا أمام خيارين: إما اعتبار قاعد بيه نبيا، بين هؤلاء الأثرياء المدفونين أم إنه كان يدرك أن الآخرين لن يتلفوا جامعه؛ لأن المعبد الذي شيده في هذا المكان هو في حالة جيدة و قد بنيت حوله عدة منازل و باتت تشكل قرية كبيرة. يرقد اليزبك الذي شيد جامعا كبيرا بالقاهرة، في الشارع الذي يحمل اسمه في أحد جوامع قاعد بيه، في الجهة الشمالية- الشرقية، و ضريحه محاط بعدد وافر من المنازل.
فيبدو جليا أن أسياد المسلمين في مصر، أسرفوا في بناء المعابد، شأنهم شأن سلاطين القسطنطينية؛ و لعلهم بالغوا أكثر منهم. سمعت أنه يوم كان ملك البلاد يقيم في القاهرة، كان الشيوخ الفقراء ينتقلون من جامع إلى آخر، حيث يؤمنون لهم الطعام و المأوى مجانا.
يتميز حي طولون بجامعه الكبير، الذي يبلغ طوله ٢٠٠ قدم، و بقلعة الكبش القديمة. بنى هذه القلعة المدعو أحمد بن طولون، الذي ثار، عام ٢٦٥ للهجرة في وجه خليفة بغداد. مما يعني أن هذا القصر أقدم من مدينة القاهرة (**) و من بين جوامع هذه المدينة كلها، يعد جامع الأزهر أكثرها قدما و غنى و أكبرها مساحة. حيث يؤمن يوميا المأكل و المأوى لعدد كبير من الفقراء. و نجد هنا معهدا إسلاميا شهيرا، على
(*) يسمى ماراي هذا المكان الصحراء و هو لا يتحدث عن ضريح قاعد بيه فحسب، بل عن جوامع و أضرحة في القاهرة و ضواحيها.
(**) وصف تاريخي لأفريقيا، جان ليون. التاريخ العالمي الحديث، الجزء الثاني، ص ١٨٤. و تاريخ ملوك مصر، ماراي. يقول هذا الأخير: إن أحمد بن طولون بدأ بتشييد جامعه عام ٢٦٣، و انتهى منه عام ٢٦٥، و أن السلطان لجين المنصوري زوده بأموال طائلة، و أنه بنى قرب الجامع مدارس كثيرة.