رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٥٥ - الرحلة من جدة إلى مخيّة
الثمانين، في حين أن معارفه يعتقدون أنه قارب التسعين. و توطدت الصداقة بيننا حتى أنه دعانا مرارا لزيارته و قدّم لنا أفخر القهوة و التبغ و المربى، و لم يتزوج يوما وفقا للأصول لكنه يتبجح بأنه غرر بعدد من الجواري (٨٨ إن لم أكن مخطئا)، و أنه باعهن فيما بعد، أو تزوجهن، أو أعتقهن. و قال لنا إنه يملك، منذ بضع سنوات، جاريتين شابتين و جميلتين و أنه يتمنى أن يفعل بهما ما فعل بسالفاتهما و بعدها يموت عن طيب خاطر، و وعد طبيبنا بهدية قيّمة إن مكّنه، بفضل علمه، من تحقيق رغبته. و كنا قد تعرفنا على تاجر ثري في جدة، زرناه غالبا، يعاني المشكلة نفسها، و كان في العقد الخامس، و يملك منزلا في مكة يقصده لبضعة أشهر، لكن من دون طيب خاطر، إذ يملك فيه جاريتين جميلتين تسعيان دوما لتأجيج نار حبه لكن خيبته تجعله حزينا، فقدّم لطبيبنا مئة ريال إن استطاع مساعدته ليشفي غليله مرّة واحدة. و لفرط ما تناول من أدوية وصفها له الأطباء الإنكليز لم يتمكن السيد كرامر من مساعدته (*). لكن أعود لوصف مدينة لحية: بنيت هذه المدينة منذ حوالي ٣٠٠ عام، على يد وليّ مسلم، يدعى الشيخ صالح(S lei) ، و يعتبر اليوم شفيع هذه المدينة لأن عرب تهامة من أصل السنّة و يجلّون كثيرا هؤلاء الأولياء المزعومين بالرغم من أن دينهم يحرّم تقديسهم. بنى هذا الشيخ لنفسه كوخا على شاطىء البحر، خارج لحية، في المكان الذي نجد فيه اليوم ضريحه، و عاش فيه متنسكا. و بعد موته، تمّ بناء قبّة فوق قبره، و مع الأيام، تمّ تكبيرها، و تجميلها، و اعتبارها وقفا: و بما أن المسلمين المؤمنين يتوقعون أن يباركهم الله في هذه الدنيا و في الآخرة، إذا ما أقاموا و ماتوا في جوار هذا المزار، بنوا لهم بيوتا في محيطه. و في ذاك الوقت، كان حاكم الإقليم يقيم في مرابع(Mar bea) ، و هي مدينة صغيرة، على بعد ميل إلى الشمال من لحيّة، لكن حالة مرفئها ازدادت سوءا، فهجرت المدينة، و توسعت لحية، و أضحت فيما بعد مكان إقامة صاحب الدولة. و أشير هنا إلى أن ذريّة أولياء السنّة في التهامة يتمتعون بمكانة ذرية محمد في العالم الإسلامي كله إنما بقدر أقلّ، و يطلق عليهم لقب شيخ، كما يطلق على سلالة محمد لقب، شريف، و سيّد، و أمير و مولى، و يعتقد الناس أن التقوى و حب الفضيلة من شيم هؤلاء أكثر من عامة الشعب. و يتمتع زعماء العائلات هذه بهيبة و احترام بين الناس لأنهم ولدوا رجال دين، لذا لا يستغرب أن يشيدوا بقداستهم، و يحاولوا أن يجعلوا من أنفسهم قديسين. و يعتبر ابن الشيخ صالح المدفون في مور(Mo ?r) ، و ابنه الآخر المدفون في بهاس(Bah s) شفيعي هذين المكانين.
(*) تضع نساء مخيّة، عند ما يخرجن إلى الشارع، خمارا كبيرا يغطين به وجوههن فبالكاد نرى إحدى عينيهن. لكنهن لسن متشددات كفاية فهن قد تنسين أحيانا إسدال الستارة لا سيّما حين تظن الواحدة منهن أنها جميلة و أنها تستطيع كشف وجهها و كأن شيئا لم يكن. رسم السيد بورنفايند إحدى نساء لحية، و قد نقشت على وجهها بعض الزينة باللون الأسود وصف شبه الجزيرة العربية، و رسمت حاجبيها بالسواد، و وضعت حلقات عدة في معصميها، و قرطين في أذنيها، و عقدا من اللؤلؤ المزيف حول جيدها ... راجعوا اللوحة(LIX) . لكن هذه الصورة تحمل مغالطة واحدة و هي أن كمّي القميص ينبغي أن يكونا بنفس العرض من أعلاهما و حتى آخرهما.