رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٣٦ - ملاحظات في جدة
الطيور في المياه، يتعرى الواحد منهم و يغطي رأسه بالطحالب، و يغطس تحت المياه حتى يقترب من البطة التي لا تفزع من الطحالب، ثم يمسك بها من قائمتيها و يأخذها (*).
يروي في تاريخ ملوك مصر، الذي كتبه ماراي(Marai) و ترجمه ريسك(Reiske) ، أنّ في العام ٩٢٠ للهجرة (١٥١٤)، أمر السلطان الغوري(Sult n el Guri) بتحصين مدينة جدة، خوفا من البرتغاليين الذين تعاظمت قوتهم حتى أنهم أرسلوا سفنا حربية إلى الخليج العربي. و لا تزال هذه المدينة محاطة بسور من جهة اليابسة، لكنه متداع في أكثر من مكان حتى أن المرء يمكن أن يتخطاه ليدخل المدينة أو ليخرج منها. و لا يعتبر المرفأ أكثر حصانة، لأن البطارية مخربة كليا، و لا تضمّ سوى مدفع وحيد قديم لا يستخدم، أما المدافع القليلة الموضوعة أمام منزل الباشا، في الجهة الأخرى للمدينة و قرب المرفأ، فلا تستخدم إلا لرد تحية السفن. و قصر الباشا غير منظم شأنه في ذلك شأن مساكن الأسياد في مقاطعات السلطنة الأخرى، إذ لا يبقى الواحد منهم في الحكم نفسه طويلا، فلا يهتمون ببناء قصر عظيم لخلفائهم.
و نجد في المدينة- و لا سيّما من جهة البحر- العديد من المنازل الجميلة و فنادق كبيرة و محال مبنية من حجر المرجان، و هي أحجار سهلة الاستعمال، يزيد الهواء من بياضها، مما يضفي لمسة جميلة على المنظر العام. و لا يشرب السكان سوى المياه التي يجمعها العرب في خزانات كبيرة بين الجبال، و ينقلونها تباعا إلى المدينة على ظهور الجمال.
و تزدهر في جدة التجارة، لكن هذه المدينة لا تتعدى كونها مخزنا للبضائع الأجنبية، إذ تصل إليها مرة في السنة السفن المحمّلة من السويس و الهند فضلا عن القوافل الكبيرة التي تقوم برحلة واحدة في السنة من مصر و سوريا إلى مكة و جدة، و تحمل معها كميات من البضائع الثمينة. و لم أسمع في المدينة ببضائع محلية تصدّر إلى الخارج باستثناء لوز الطائف، الذي ينقل منه الإنكليز وحدهم إلى الهند حوالي ٦٠٠ بالة، و يبلغ وزن الواحدة ٨٠٠ ليبرة. و يصدّر التجّار أيضا بلسم مكة، و المسك و الزباد، لكن البلسم ينتج في ضواحي المدينة، و يأتي المسك و الزباد على الأرجح من الحبشة. و تشتري جدة و مدينتا مكة و المدينة المقدستان الكثير من الحنطة، و الأرز، و العدس، و السكر، و شراب السكر، و العسل و الزيت و غيرها من مصر، حتى أن سكان مكة اعتادوا القول إنه إن بادت البلاد المجاورة، باستثناء مصر، لن تصاب شبه الجزيرة العربية بخسارة كبيرة، و إن العالم كله، من دون مصر، لن ينفعها. و تزوّد القاهرة جدة بالكثير من الصبغة الصفراء أو الزعفران المزيف (من زهرة تستخدم للصباغ باللون الأحمر)، و بالشباك العريضة، و خيوط الذهب و الفضة، و ملح النشادر، و البارود، و تبغ سوريا الخ. أما بالنسبة إلى البضائع الأوروبية،
(*) سمع بوكوك في مصر العليا بهذه الطريقة لصيد البط، لكن بدت له الرواية مختلفة. وصف الشرق، الجزء الأول، الكتاب الرابع، الفصل التاسع. لم يصدق النقاد الفرنسيون الإنكليزي الذي روى أن الصينيين يصطادون بهذه الطريقة الطيور البحرية.
الموسوعة الصحافية(Journal Encyclop .) ، شباط/ فبراير ١٧٧٣. ص ٥٣٣. و لا أدّعي أنهم سيصدقونني أكثر من غيري، لكن حين حاولت التأكد من طريقة صيد البط التي تبدو غير معقولة، يمكنني أن اؤكد أني كنت شاهد عيان مرتين.