رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٦٤ - آثار مصر
و تسلقت الهرم الأول للاستمتاع بالمشهد الذي وصفه العديد من المسافرين، كما دخلت هذا الهرم و رأيت ما ذكره العديدون. لكن لم يحالفني الحظ لأكتشف الغرفة التي كانت لا تزال مجهولة و التي اكتشفها بعد رحيلنا السيد دافيسون(Davison) الذي زار مصر مع السيد مونتاغي(Montagu) . و بما أن السيد ماييه(Maillet) الذي يفاخر بأنه دخل هذا الهرم أكثر من ٤٠ مرة (*)، لم يلاحظ هذه الغرفة، سيسامحني القراء و العلماء لأنني لم أقم بأبحاث من هذا النوع و اكتفيت بدراسات أخرى. و استنادا إلى وصف السيد مينار(Meynard) ، تقع هذه الغرفة فوق الغرفة الكبيرة المعروفة التي تحوي الصندوق، و هي تحتل المساحة نفسها، لكنها أقل علوا، و يعلو مدخلها المنحدر الذي يؤدي إلى الغرفة الكبرى بثلاثين قدما.
و نجد في الحجارة الكلسية للأهرام، و على الصخرة القائمة عليها، أشياء متحجرة بحجم الدوكا إنما أسمك، و يطلق عليها العرب اسم فضة أبي الهول، كما نجد أشياء متحجرة أخرى على شكل العدس، من نوع الحلزونيات التي جمعتها في «أبو قير»، على الشاطىء المصري. و قيل لسترابون إنّ هذه المتحجرات الصغيرة تكوّنت في الفتات الذي أوقعه الذين بنوا الأهرام (**). لكن نجد كميات منها في صخور جبل المقطم قرب القاهرة. و يشير غرانجر(Granger) إلى أن الصخور قرب شيخ حاري(Schech Harre ?) في مصر العليا مليئة بهذه المتحجرات على شكل العدس. إذا، يحتمل أن تكون كافة الصخور في مصر الواقعة تحت خط عرض معين، مكوّنة من هذه المتحجرات، لأننا نعلم أن صخور القسم الأعلى للبلاد مكوّنة من الغرانيت. و يدفعنا هذا إلى التفكير حول قدم مصر، كم من السنوات مرّت، قبل أن يولد هذا الكمّ الكبير من الحلزون الصغير و يموت، كي تبلغ هذه الجبال علوها هذا؟ كم من سنوات مرّت، قبل أن تجف مصر لا سيّما إذا ما تراجعت المياه فيما مضى عن الشاطىء بالبطء الذي تراجعت فيه في القرون العشرة الأخيرة؟ كم سنة مضت قبل أن يكثر السكّان في مصر، و قبل أن يفكروا ببناء الهرم الأول؟ كم سنة مضت قبل أن تبنى هذه الأهرام التي نراها حاليا في مصر؟ و لا نعرف حاليا بدقة في أي قرن و بأمر ممن بني الهرم الأخير.
و لقد كان من الممكن أن نعرف تاريخ هذا البلد القديم، لو تمكنّا من قراءة كتابات سكّانه القدامى، لأننا لا نجد في أيّ بلد في العالم صروحا تكثر عليها الكتابات القديمة بقدر ما نجد في مصر. لكن لن نستفيد من جهد السكّان القدامى الذين حاولوا تخليد كتاباتهم بحفرها على حجارة صلبة لأننا لا نفقه منها شيئا. و لا نجد سوى القليل من العلماء بين المجموعة الكبيرة الموجودة في أوروبا، الذين يتمتعون بالصبر و الذكاء الكافيين لدراسة الآثار، و لا تسنح لهم الفرصة عادة لرؤية هذه الآثار إلّا في مكتباتهم، و لعلهم لم يحصلوا حتى اليوم على نسخ عن الكتابات المصرية القديمة. و إني على ثقة بأنهم سيفسرون
(*) وصف مصر، الجزء الأول، ص ٣٢٥.
(**) أضيف هنا أني رأيت قرب قايتباي، و في مكان رملي، خشبا متحجرا، لا سيّما قطعة كبيرة من جزع شجرة.