رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٤٨ - الرحلة من صنعاء إلى المخا
الناس باسم محمد بدلا من الله في مكة و المدينة، و لا أثق بيمين رجل من المخا إن أقسم بالله، و أصدقه إن أقسم باسم الشاذلي الذي يرى ضريحه و مسجده دوما. و لا حظت أن الشعب في جدة يقسم باسم محمد، و في المخا باسم الشاذلي، و في مشهد باسم علي، و في مشهد الحسين باسم الحسين.
و لا يعتبر الشاذلي شفيع المخا و حسب، بل شفيع أصحاب المقاهي المسلمين من أتباع المذهب السني كلهم. و يقال إنهم يقرؤون الفاتحة كل صباح على روحه، و لا يعني ذلك أنهم يتضرعون إليه، إنما يشكرون الله لأنه علّم الإنسان استخدام القهوة عن طريق الشيخ الشاذلي، و يرجون منه أن يرحم الشيخ المذكور و آله (*).
المخا هي آخر مدينة يمنية بقيت تحت سيطرة الأتراك، و يقال إن العرب لم يستردوها بقوة السلاح إنما اشتروها، و منذ ذلك الحين و هي تخضع للأئمة. جمع أحد أصحاب الدولة في هذا الأقليم الكثير من الثروات، و أمر بحفر خندق حول المدينة، لكنه طمر فيما بعد، ثم حصّن المدينة، و أظهر ميلا إلى الاستقلال فزجّ في السجن. و منذ ذلك الوقت، لا يبقى صاحب الدولة في هذا الأقليم الغني في منصبه أكثر من عامين أو ثلاثة. و يضطر إلى تقديم حساباته سنويا بعد الموسم (**)، و ينتظر عندها فإما أن تجدد ولايته لعام آخر و إما يتم استدعاؤه مباشرة إلى صنعاء. و لم أعرف الكثير عن تاريخ المخا، و جلّ ما عرفته هو أن الفرنسيين قاموا بقصفها مرة، و سأورد لكم سبب ذلك: يسحب صاحب الدولة هنا غالبا، لحساب الإمام، بضائع من الهند من التجّار الذين ترسو سفنهم هنا، أكثر مما يتطلب رسم الجمارك و الرسومات الأخرى التي يتوجب عليهم دفعها، و يعد كل مرة بأن ديون الإمام ستحسم في العام التالي من رسوم الدخول، لكن هذه الديون تتراكم أكثر فأكثر. و بلغت ديون الإمام للشركة الفرنسية للهند الشرقية ٨٢٠٠٠ درهم، و بما أنها أرادت الحصول على المبلغ، من دون أن تستخدم أساليب تفقدها تجارتها في المخا، أرسلت في العام ١٧٣٨ سفنها التجارية ترافقها سفينة حربية. و أعلم القبطان صاحب الدولة أنهم قصدوا البلاد لبيع بضائعهم، لكنهم لن ينزلوها إلى اليابسة ما لم يقبضوا الديون السابقة، فحاول صاحب الدولة استمالتهم بالكلام المعسول و إقناعهم بإنزال البضائع أولا. لكن الفرنسيين أظهروا ما كان
(*) و نجد في البصرة و بغداد و في كافة المدن السنيّة على الأرجح، شفيعا لكل فئة من العمّال، فسلمان باك(Salman P k) مثلا، الذي يقال إنه كان حلّاق محمد، التاريخ العالمي المعاصر، الجزء الأول، القسم ٧١. النسخة الألمانية. هو شفيع الحلاقين الذين يزورون، سنويا و في يوم محدد، قبره الموجود في المدائن(El Madeini) و هي مدينة اشتهرت فيما مضى لكن لم يبق منها سوى البقايا التي نشاهدها على بعد ميل من بغداد. و داود أو دايفيد هو شفيع الحدادين إذ ورد ذكره في الفصل ٢١ من القرآن على أنه أول من اخترع الشكّة. النبي نتيث(Schid) هو شفيع الحائكين. إبراهيم الخليل شفيع البنائين و الطباخين. النبي إدريس هو شفيع الخيّاطين. حبيب الذي نجد قبره في منطقة بغداد هو شفيع النجّارين. النبي جرجس(Gorgis) هو شفيع النحّاسين، محمد اليمني هو شفيع الحذائين، محمد الجواد هو شفيع اللحامين.
(**) يسمى موسم في اليمن الزمن الذي يشمل الأشهر الأربعة التالية: نيسان/ أبريل، أيار/ مايو، حزيران/ يونيو و تموز/ يوليو، و اعتادت سفن الهند الإبحار خلال هذا الوقت.