رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٤٧ - الرحلة من صنعاء إلى المخا
وصف شبه الجزيرة العربية، كما نجد خارج المدينة العديد من أشجار البلح التي تتوسطها حدائق غنّاء منسّقة. و لقد رسمت خارطة مدينة المخا و محيطها على اللوحة(LXXII) ، و تجدر الإشارة إلى أنني لم أقس إلّا حرم سور المدينة المرسوم قرب الحرف أ، و استنادا إلى سلم خارطة القاهرة. و قد أمّن لي شخص إنكليزي خارطة المرفأ و معلومات حول العمق المسجّل للمياه. و تدل الأرقام المدوّنة على الخارطة على ما يلي: ١) باب العامود(B b el Amudi) ، ٢) باب شاذلي(B b Sch deli) ، ٣) باب صغير(B b )Sagair) ، ٤) باب صندل(B b Sandel) ، ٥) باب الساحل(B b Sahhel) ، ٦) مقر إقامة صاحب الدولة، ٧) مقبرة الأوروبيين حيث دفن السيد دوهافن، ٨) الأبراج أو القلاع الصغيرة على طريق موسى، ٩) طريق بيت الفقيه.
و اعتدت زيارة الإنكليز في المخا أكثر من العرب، لذا لم أقم باكتشافات دقيقة حول قدم المدينة، لكن من المؤكد أن المخا من المدن الجديدة في تهامة و أن عمرها لا يتعدى ٤٠٠ عام. و يقال إنه في ذاك الوقت، كان يعيش في المنطقة رجل وحيد شهير يدعى الشيخ الشاذلي و يعتبر مؤسس المدينة. و قد اشتهر بزهده و تقواه، فأخذت الجموع تؤمّ المكان للاستماع لتعاليمه. و رووا لي قصة عنه تقول إن مركبا قادما من الهند و متوجها إلى جدة، رسا في الجوار، و رأى البحارة كوخا منفردا في هذه الصحراء فدفعهم الفضول إلى النزول إلى اليابسة و استقبل الشيخ زواره أحسن استقبال، و قدم لهم القهوة و هي شراب يحبه كثيرا و يعزو إلى منافع عديدة، و اعتبر الهنود الذين لم يألفوا القهوة هذا الشراب الساخن علاجا، و ظنّوا أنه سيساعد على شفاء التاجر صاحب مركبهم، و أكّد لهم الشيخ شاذلي أن هذا الشراب و صلاته لن يشفيا المريض و حسب بل سيؤمنان له ربحا عظيما إن أنزل بضائعه. و تنبأ في اليوم نفسه، أن مدينة تجارية ستبنى يوما ما في هذا المكان، و أن الهنود سيقصدونها لبيع قسم كبير من بضائعهم. و بدا هذا الكلام فريدا بالنسبة للتاجر الذي أراد أن ينقل في اليوم التالي إلى اليابسة كي يرى بنفسه هذا الرجل المميز و يتحدث معه.
و في اليوم نفسه، زار الكثير من العرب هذا الزاهد لسماع أقواله، و كان التاجر قد شرب القهوة التي حضّرها له الشيخ و أحسّ بتحسن. و من بين الوفود التي زارت الشيخ العديد من التجار الذين اشتروا حمولة المركب كلها، فعاد التاجر إلى الهند سعيدا، و ذاع صيت الشيخ بين مواطنيه. و بني قرب كوخ الشيخ العديد من الأكواخ الأخرى و ازداد عدد التجار الذين يقصدون المكان عبر البر و عدد المراكب التي ترسو قربه، فتكونت قرية ثم تحولت إلى مدينة المخا التجارية المعروفة. و تمّ تشييد مسجد كبير يحمل اسم الشيخ شاذلي فوق ضريحه الواقع خارج المدينة. كما يطلق اسمه على البئر التي تؤمن المياه لعامة الشعب من الفقراء غير القادرين على دفع المال لشراء مياه أفضل، فضلا عن أحد أبواب المدينة. و تتمتع سلالته بمكانة بين الناس و يحملون لقب شيخ تيمنا به، و يقسم أبناء المخا باسمه عادة، باختصار لن ينسى هذا الشيخ طالما المخا موجودة. و أبدى تاجر من مكة، تحدثت معه مرارا في بومباي، ملاحظة حول هؤلاء الأولياء لم أكن أتوقعها من مسلم، إذ قال إن الشعب بحاجة لشيء ملموس يحترمه و يخشاه، لذا يقسم