رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٩٧ - الرحلة من بيت الفقيه إلى المخا
و خلال الرحلة من جدة إلى مخيّة حاول إسماعيل إقناعنا بأن الدانمركيين أيضا يجنون أموالا طائلة من ممارسة التجارة في المخا. و لكن بعد أن لاحظ عدم رغبتنا بالتورط في الأعمال التجارية حاول تضليلنا قدر المستطاع. و نلاحظ بالتالي أن المسافر يقع بسهولة في الفخ، إن لم يحسن لغة البلاد، أو إن وضع ثقته بأول شخص يصادفه و يعرض عليه خدماته. و هكذا لم يفلح إسماعيل بخداعنا و لكنه سبب لنا خيبة أمل كبيرة؛ فلو أتينا إلى المخا من بلاد الهند دون أن نتعلم العربية و وضعنا ثقتنا فيه، لما حاولنا التعرف على سكان البلاد و لما كانت دراستنا مطابقة للواقع. و عند وصولنا سلمنا رسالة التوصية الموجهة إلى سيد صالح لابنه إسماعيل و لم نقابل والده إلا في اليوم التالي الواقع فيه ٢٤ نيسان/ أبريل. و لما كان تجار مخيّة و بيت الفقيه، الذين أوصوا بنا، قد دفعوا لنا رسوم الجمارك و نقلوا لنا متاعنا، طلبنا من سيد صالح و ابنه أن يؤديا لنا الخدمة نفسها؛ فأظهرا استعدادهما التام للقيام بذلك. غير أنني أخالهما يضمران لنا نية مختلفة و يسعيان لإقناع موظفي الجمارك بتعذيبنا.
و عند الساعة التاسعة صباحا، وصلت القافلة و الخدم و المتاع. و عملا بعادة هذا البلد نقل المتاع إلى الجمارك حيث كان صاحب الدولة موجودا بنفسه. فطلبنا أن تفتش أولا الأغراض التي نقلت برا حتى نأخذ أواني المطبخ و الأسرّة؛ لكن موظفي الجمارك ارتأوا تفتيش الصناديق التي وصلت إلى مخيّة و المخا بحرا، و من بينها برميل صغير فيه أسماك من الخليج العربي؛ و طلب السيد فورسكال عدم فتحه حتى لا يتبخر عرق النبيذ أو تفوح رائحة السمك الكريهة؛ غير أن الموظف فتحه و أخرج الأسماك و حرك السائل بقضيب من حديد ليتأكد من أننا لا نخفي داخل البرميل أحجارا كريمة؛ و رغم المساعي التي بذلناها أوقع البرميل وفاحت رائحة الأسماك و عرق النبيذ في المكان، و يمكنك أن تتخيل ردة فعل العرب في ظرف مماثل، خاصة و أن ديانتهم تحظر عليهم شرب الكحول فضلا عن الإحراج الذي شعرنا به أمام صاحب الدولة و مساعديه. لقد طلبنا منهم أن يفتشوا أسرتنا أولا؛ و لكنهم فضلوا البحث عن النوادر الطبيعية؛ و كنا قد حملنا معنا من مخية حشرات بحرية تبعث أيضا روائح نتنة أثارت سخط الحاضرين و حملتهم على شتم الفرنسيين؛ أما الأصداف التي كنا قد حزمناها بعناية فائقة فانتزعوا بعضها من قعر الصندوق بينما ثقبوا بعضها الآخر بواسطة قضيب حديدي مستدق الرأس؛ إذ لا يصدق العرب أن رجلا عاقلا يجمع هذه الأشياء بغية استعمالها لاحقا؛ بل خطر لهم أننا أرسلناها لنسخر من صاحب الدولة و موظفي الجمارك. و ظن آخرون أننا خبأنا بين هذه الأغراض بضائع ثمينة. و لكن صاحب الدولة لم يصدق أبدا هذه الادعاءات. و أحضروا له أخيرا حقيبة وضع فيها السيد فورسكال أنواعا مختلفة من الأفاعي؛ فأثار هذا المنظر خوف الجميع. فزعم أحد خدام صاحب الدولة أن الفرنسيين أتوا إلى اليمن ليدسوا السم للمسلمين و أحضروا معهم طبيبا كي ينفذوا هذه المهمة بنجاح. و كان صاحب الدولة يظهر تعاطفه نحونا دون أن يكنّ لنا الاحتقار؛ لكن عند ما سمعهم يقولون إننا ننوي إلحاق الضرر بالسكان ثار غضبا و قال: أقسم بالله أن هؤلاء الأشخاص لن يمضوا الليلة في بلدتنا و أقفلوا مركز الجمارك دون إعطائنا حاجاتنا الأساسية من أوان مطبخية و أسرة.