رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٩٦ - الرحلة من بيت الفقيه إلى المخا
و مخيّة أن المسلمين لا يعيرون هذه الأمة اهتماما، كما أننا لا نعير اليهود اهتماما لذلك فضلنا أن لا نتقرب منه. قصدت برفقة السيد فورسكال منزل إسماعيل الذي استقبلنا بالترحاب، و أمّن لنا منزلا لنقضي الليل فيه؛ و رغم أنه مسلم، قدم لنا شراب البانش، الذي أنعشنا كثيرا خاصة و أننا لم نحتس الكحول منذ فترة طويلة. و لكن إسماعيل لم يذق البانش و أحضر لنا شخصا هنديا مرتدا عن الدين المسيحي، يعمل تاجرا في المخا، و يسرف كثيرا في شرب الكحول. و كنا على و شك أن نثمل برفقته لو لم نع أن الشراب قوي للغاية. غير أن إسماعيل شدّد على صداقته لنا، و عرض علينا خدماته، و اقترح علينا حلق ذقنينا و ارتداء ملابس أوروبية، شأننا شأن الإنكليز الذين يحبون ممارسة التجارة في المخا، و عدم التحدث بالعربية، حتى لا يظن أحد أننا أصبحنا مسيحيين. لكننا حسبنا كلامه مزاحا. و بعد أن استشرناه حول الطريق الأسرع للوصول إلى صنعاء و غيرها من المدن الجبلية، حذرنا من القيام بهذه الرحلة واصفا الجبليين بالفظّين و القليلي التهذيب؛ و أضاف أن الإمام المسلم يعامل بازدراء من أتباع الديانات الأخرى.
و الجدير ذكره أنني كنت أعرف اليمن أفضل من إسماعيل الذي لم ير من بلده سوى الطريق من المخا إلى مخيّة؛ فأخبرته تفصيليا عن الرحلات التي قمنا بها، بدءا من مخيّة؛ و شكرته على استقباله الحسن لنا الذي لم نحظ بمثله في أي مكان آخر. غير أنه ادعى معرفته بسكان المخا أكثر منا؛ و أكد لنا أن شعبها يكره الأوروبيين كرها شديدا؛ و لكن والده يتمتع بمكانة مرموقة في المدينة و يستطيع أن يقدم لنا خدمات كثيرة.
كان إسماعيل يحب التقرب من الأجانب لمصلحته الشخصية؛ و لعله انكب على تعلّم اللغة الهولندية من أجل هذه الغاية فحسب. و كتب والده عدة رسائل إلى باتافيا عبر المرتدين الهولنديين الذين كانوا في المخا، و استطاع إقناع التجار الهولنديين بإرسال مركب لهم. فوصل هذا الأخير منذ سنتين تقريبا قبل عدة أشهر من وصول الإنكليز؛ و لما كانت المرة الأولى التي يزور فيها الربان المخا، قصد أولا منزل سيد صالح الذي أعطاه فكرة مريعة عن سكان هذه البلدة، و خاصة البانيانيين منهم؛ فشكر الهولندي الله لأنه وقع بين يدي رجل طيب إلى هذا الحد. و استأجر له سيد صالح منزلا و وضع ابنه في خدمته فأمن له كل ما يلزمه، إلى حد أن الهولندي اعتمد كليا على سيد صالح و ابنه. و حين أتى بعض التجار الهنود الذين يحسنون اللغة البرتغالية لزيارته طردوا من المنزل؛ كما و أن الخدم الذين يتكلمون البرتغالية مع الربان كانوا يؤكدون له ادعاءات إسماعيل حول فظاظة سكان المخا، خوفا من إسماعيل و أبيه لكي لا يتسببا في طردهم من عملهم. أما التجار العرب فلا يثيرون القلق، لأنهم لا يحسنون إلا العربية و إسماعيل يترجم كلامهم كما يحلو له. فأخذ الهولندي عن سكان المخا فكرة سيئة للغاية حتى أنه كان يتفادى الخروج إلى الشارع خوفا من أن يأخذوه رهينة. و بقيت هذه الأفكار راسخة في ذهنه إلى حين وصول الإنكليز الذين أثبتوا له أنه وضع ثقته في أشخاص أشرار؛ غير أنه كان قد تورط جدا مع إسماعيل و أبيه، و لم يعد باستطاعته التنصل منهما؛ و لا أظن أن تجار باتافيا سيرسلون مركبا آخر إلى المخا، بعد وقوع ذاك الهولندي ضحية الخداع.