رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٩٥ - الرحلة من بيت الفقيه إلى المخا
كنت أنوي الوصول هذا المساء إلى المخا قبل أن تغلق الأبواب؛ فانطلقت برفقة السيد فورسكال عند طلوع الفجر رغم أنه لم يغمض لنا جفن في الليلة السابقة. بعد أن سرنا ١/ ٣ الميل بلغنا خان دربه، و عبرنا لاحقا منطقة مملح التي تنقل إليها مياه البحر و تبخر حتى يجمع الملح و يرسل جزءا منه إلى المناطق الجبلية، شاهدت في جوار عدن جمالا محمّلة بالملح، و بعد أن قطعنا تربة(Turbo) وصلنا على بعد ٧/ ٨ الميل إلى خان جردان(Djurden) ؛ و منه إلى خان سمعال(Sema Y ?hhle) ؛ حيث تمر بين هذين الخانين الحدود التي تفصل بين المخا و حاس. و بعد أن غادرنا سمعال، وصلنا إلى خان سهاري، بعد أن قطعنا ١/ ٨ الميل. و سرنا بعدها ميلا تقريبا لنصل قرية رواس(Rua Y ?s) ، حيث أخذنا قسطا من الراحة نظرا لارتفاع الحر. و يتفرع من رواس طريق يؤدي إلى المخا مرورا بقبة سابا؛ و هي دار عبادة تضم أضرحة سبعة أشقاء. غير أننا سلكنا طريقا آخر مختصرا، رغم أنه رملي و وعر. و بعد أن سرنا ١/ ٨ الميل، وصلنا إلى بلدة عشتيل التي تبعد ميلين عن المخا. و استنادا لهذه الحسابات تبعد مشيد عن المخا خمسة أميال و ٣/ ٤ الميل؛ لكن أرصادي الجوية تشير إلى أنهما يقعان على بعد ستة فراسخ، قطعناها في ظرف سبع ساعات على ظهر الحمير؛ و مما لا شك فيه أننا كنا نسرع في سيرنا.
يمر المسافرون إلى المخا برا بمدينة باب شاذلي؛ و يتبع الأوروبيون العادة المشينة السائدة في القاهرة للدخول من بابها، أي إنهم يترجلون عن حميرهم و يدخلون سيرا على الأقدام. ترجلنا إذن عن الحمير حتى يفتشوا الخرج. و لم يحاول أحد طرح الأسئلة حول أسمائنا و جوازات سفرنا على خلاف المناطق الأخرى؛ فمررنا بالتالي دون أن يتعرف علينا أحد. و أرشدونا إلى خان، اعتاد الأتراك على النزول فيه، حتى نلتقي بمواطنينا حسب رأي موظفي الجمارك.
و كان يقيم في المخا تاجر إنكليزي وصل إليها على متن باخرة من بومباي. و لكن العرب استقبلونا بالترحاب في اليمن، حتى أننا لم نجد من داع للتحدث إليه أولا كما و أننا لا نحمل رسائل للإنكليز.
و كنا نخشى أن يحسبنا متشردين أو خونة، غير أننا كنا نحمل رسائل توصية متعددة، واحدة من كخيا جدة إلى صاحب الدولة في المخا، و أخرى من تاجر في جدة إلى سمسار الإنكليز، و ثالثة من تاجر في بيت الفقيه، إلى تاجر في المخا يدعى سيد صالح. فلم نعلم جيدا أن الأمير فرحان لم يكتف بأن يوصي بنا في رسالته صاحب الدولة في المخا، بل كتب له في مناسبة أخرى معددا له ميزاتنا. و علاوة على ذلك، وطدنا صداقتنا في المخا بابن سيد صالح و اسمه إسماعيل. كان والده قد أرسله إلى جدة لنقل كمية من البن، فحاول أن يكسب صداقتنا و قدم لنا شهادة تثبت أنه كان مترجم الربابنة الهولنديين في المخا، علما أنه تعلم الهولندية من أحد المرتدين عن الدين؛ و كم كانت دهشتنا عظيمة لأننا لم نقابل منذ فترة طويلة مسلما يحسن لغة أوروبية. و لما كان يحسن الإطراء على الأوروبيين، و يمتاز برزانته رافقناه من جدة إلى مخيّه.
أحسنا صنيعا بمقابلة سمسار الإنكليز عند وصولنا إلى المخا؛ فقد كان يعدّ من كبار تجار المدينة الذين حظوا بثقة صاحب الدولة فيهم؛ غير أنه كان بانيانيا، أو ملحدا من بلاد الهند؛ و لا حظنا في بيت الفقيه