رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٩٨ - الرحلة من بيت الفقيه إلى المخا
ثم جاءنا أحد الخدم مسرعا لإخبارنا أنهم رموا الكتب و الحقائب التي نقلناها على ظهر الحمير من النوافذ؛ و أنهم أقفلوا المنزل؛ و لما أراد السيدان فورسكال و دوهافن الاستعلام عن السبب أجابوهما إنها أوامر إسماعيل. و مما لا شك فيه أن وصف إسماعيل لسكان المخا قد ثبتت صحته حتى الآن. و لكننا اضطررنا للاستماع إلى كلامهم بصبر و أناة. كان إسماعيل و والده قد اختفيا عن الأنظار ما أن بدأ موظفو الجمارك بإزعاجنا. و لم نستطع العثور عليهما أو على صاحب المنزل؛ فرحنا نبحث عن منزل آخر علما أن الجميع رفضوا إيواءنا في هذه الظروف خوفا من أن يعاقبوا. و في نهاية المطاف قبل أحدهم أن يؤجرنا منزله شرط أن يؤكد له القاضي أن الحكومة لن تتعرض له. كان قضاة تركيا يهتمون بحبهم الشديد لمصلحتهم الخاصة على خلاف قضاة اليمن بمن فيهم قاضي المخا الذي أثبت لنا استقامته.
و قصدناه برفقة النبيل ليؤكد له أنه يستطيع أن يؤجرنا منزله.
و لقد أرسلت حكومة بومباي في تلك السنة سفينتين إلى المخا مع تاجر يدعى فرانسوا سكوت و هو اسكوتلندي الأصل. وصل هذا الأخير، إلى المدينة على متن السفينة الأولى منذ بضعة أشهر. فأعلم بوصولنا و بحجز أغراضنا في مركز الجمارك. و رغم أننا لم نحاول الاتصال به، دعانا إلى العشاء؛ و أعد لنا طاولة مليئة بالأطايب التي لم نذق مثلها منذ مغادرتنا القاهرة؛ و أثبت لنا أنه صديق مخلص و وفي.
فسلمناه عندها رسائلنا إلى سمساره و اكتشفنا متأخرين أننا أخطأنا بعدم الاتصال به أو بالسيد سكوت فور وصولنا. و رغم أننا استرجعنا شجاعتنا إلا أننا لم نحاول إبداء رأينا الحقيقي في إسماعيل و والده مخافة أن يثيرا لنا مشاكل جديدة.
و لم نستطع حلّ المشكلة مع الجمارك و في ٢٥ نيسان/ أبريل؛ نصحنا إسماعيل بأن نعرض على صاحب الدولة ٥٠ دوقية بغية كسب رضاه. و كنا قد ارتأينا أن نقدم له هدية. و لكن ليس بهذا الحجم؛ كما و أن الشكوك ساورتنا في مسألة إرسالها مع إسماعيل؛ و لما كنا ننوي الذهاب إلى صنعاء و قضاء سنة بكاملها في البلاد. و لما كان أمر مغادرتنا المخا مرهون بموافقة صاحب الدولة، قررنا أن نضحي بهذا المبلغ، و أن نسلمه له بأنفسنا حتى نستغل الفرصة و نحاول أن ننال حظوة لديه. و كان خدمه يمنعوننا من مقابلته كلما قصدنا منزله؛ و أكد لنا إسماعيل أن صاحب الدولة لا يتنازل و يتحدث مع المسيحيين؛ و في ٢٦ نيسان/ أبريل قررت المجموعة أن أسلمه ال ٥٠ دوقية بنفسي. علمت في الطريق أنه أصيب عند الصباح برصاصة في رجله بينما كان يدرب جنوده؛ فعدت أدراجي عند سماعي هذا الخبر آملا أن يستدعي طبيبنا لمعالجته و نحتفظ بالتالي بالمال. و لكن أحدا لم يستدع السيد كرامر؛ فحين اقترحوا على صاحب الدولة استدعاءه رفض رفضا قاطعا لأنه لا يثق بالفرنسيين الذين قد ينتقمون منه و يستعملون عقاقير مسخنة؛ فالعرب يميزون بين العقاقير المسخنة و العقاقير المنعشة و يعتبرون الأولى مضرة بالصحة. و لعل العبارة وحدها تثير خوفهم نظرا لشدة الحر في بلادهم. استغل نبيل من نبلاء العرب هذه المناسبة ليقول لنا