دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٣٠٣ - ما روي في عرض النبي (صلى اللّه عليه و سلم) نفسه على قبائل العرب
رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بوجهه فقال: يا رسول اللّه إن لكل دعوة سبيلا إن لين و إن شدة، و قد دعوت اليوم إلى دعوة متجهمة للناس، متوعرة عليهم، دعوتنا إلى ترك ديننا و اتباعك على دينك، و تلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك، و دعوتنا إلى قطع ما بيننا و بين الناس من الجوار و الأرحام القريب و البعيد، و تلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك، و دعوتنا و نحن جماعة في دار عزّ و منعة لا يطمع فيها أحد، أن يرأس علينا رجل من غيرنا، قد أفرده قومه و أسلمه أعمامه، و تلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك، و كل هؤلاء الرتب مكروهة عند الناس، إلا من عزم اللّه على رشده، و التمس الخير في عواقبها، و قد أجبناك إلى ذلك بألسنتنا و صدورنا و أيدينا، إيمانا بما جئت به، و تصديقا بمعرفة ثبتت في قلوبنا، نبايعك على ذلك، و نبايع ربنا و ربك، يد اللّه فوق أيدينا، و دماؤنا دون دمك، و أيدينا دون يدك، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا و أبناءنا و نساءنا، فإن نفي بذلك فلله نفي، و إن نغدر فباللّه نغدر، و نحن به أشقياء، هذا الصدق منا يا رسول اللّه و اللّه المستعان.
ثم أقبل على العباس بن عبد المطلب بوجهه فقال: و أما أنت أيها المعترض لنا بالقول دون النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و اللّه أعلم ما أردت بذلك، ذكرت أنه ابن أخيك و أحبّ الناس إليك، فنحن قد قطعنا القريب و البعيد و ذا الرّحم، و نشهد أنه رسول اللّه، أرسله من عنده، ليس بكذّاب، و أن ما جاء به لا يشبه كلام البشر، و أما ما ذكرت أنك لا تطمئن إلينا في أمره حتى تأخذ مواثيقنا، فهذه خصلة لا نردّها على أحد أرادها لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فخذ ما شئت، ثم التفت إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه خذ لنفسك ما شئت، و اشترط لربّك ما شئت، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أشترط لربي عز و جل أن تعبدوه و لا تشركوا به شيئا، و لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم و أبناءكم و نساءكم، قالوا: فذلك لك يا رسول اللّه.