دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢٦٣ - ذكر إسلام سلمان الفارسي رضي اللّه عنه
ذهبت به إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه بلغني أنك رجل صالح، معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، و هذا شيء عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم، ثم قربته إليه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأصحابه: كلوا، و أمسك يده فلم يأكل، قال فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، ثم تحول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة، ثم جئته فقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصّدقة و هذه هدية أكرمتك بها، قال، فأكل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أمر أصحابه فأكلوا معه، فقلت في نفسي:
هاتان ثنتان، ثم جئت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو ببقيع الغرقد [١]، قد تبع جنازة رجل من أصحابه، عليه شملتان له، هو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدبرته أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أني استدبرته عرف أني أستثبته في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله و أبكي، فقال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تحوّل، فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدّثتك يا ابن عباس، فأعجب ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أحب أن يسمع ذلك أصحابه، ثم قال لي: كاتب يا سلمان [٢]، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة بالفقير [٣] و بأربعين أوقية، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين وديّة [٤]، و الرجل بخمسة عشر، و الرجل بقدر ما عنده، حتى جمعوا ثلاثمائة ودية فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): اذهب يا سلمان ففقّرهما [٥] فإذا فرغت
[١] بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة.
[٢] أي اتفق مع سيدك على أن تدفع له مبلغا من المال تعتق به.
[٣] الفقير: الحفرة التي تغرس فيها الفسيلة.
[٤] وديّة: صغار فسائل النخل و غيره.
[٥] في السيرة «ففقر لهما».