دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٣٠٤ - ما روي في عرض النبي (صلى اللّه عليه و سلم) نفسه على قبائل العرب
فقال العباس: عليكم بذلكم عهد اللّه مع عهودكم، و ذمة اللّه مع ذمتكم، في هذا الشهر الحرام، و البلد الحرام، تبايعونه و تبايعون اللّه، اللّه ربكم، يد اللّه فوق أيديكم، لتجدّنّ في نصره [١] و لتشدّن له من أزره، و لتوفنّ له بعهده بدفع أيديكم، و صرح ألسنتكم، و نصح صدوركم، لا يمنعكم من ذلك رغبة أشرفتم عليها، و لا رهبة أشرفت عليكم، و لا يؤتى من قبلكم، قالوا جميعا: نعم، قال: اللّه عليكم بذلك راع و وكيل؟ قالوا:
نعم، قال: اللهم إنك سامع شاهد، و إن هذا ابن أخي قد استرعاهم ذمته، و استحفظهم نفسه، اللهم فكن لابن أخي عليهم شهيدا، فرضي القوم بما أعطاهم رسول اللّه من نفسه، و رضي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بما أعطوه من أنفسهم، و قد كانوا قالوا له: يا رسول اللّه إذا أعطيناك ذلك فما لنا؟ قال: رضوان اللّه و الجنة، قالوا: رضينا و قبلنا، فأقبل أبو الهيثم بن التّيّهان على أصحابه فقال: ألستم أنتم تعلمون أن هذا رسول اللّه إليكم، و قد آمنتم به و صدّقتموه؟ قالوا: بلى، قال: أولستم تعلمون أنه في بلد اللّه الحرام و مسقط رأسه و مولده و عشيرته؟ قالوا: بلى، قال: فإن كنتم خاذليه أو مسلميه يوما من الدهر لبلاء ينزل بكم فالآن، فإن العرب سترميكم فيه عن قوس واحدة، فإن طابت أنفسكم عن الأنفس و الأموال و الأولاد في ذات اللّه عز و جل فما لكم عند اللّه عز و جل من الثواب خير من أنفسكم و أموالكم و أولادكم.
فأجاب القوم جميعا: لا، بل نحن معه بالوفاء و الصدق، ثم أقبل على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه لعلك إذا حاربنا الناس فيك، و قطعنا ما بيننا و بينهم من الجوار و الحلف و الأرحام، و حملتنا الحرب على
[١] في الأصل «نصركم» و لعل الصواب ما أثبتناه.