دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢٩٤ - ما روي في عرض النبي (صلى اللّه عليه و سلم) نفسه على قبائل العرب
على راحلته، مردفا خلفه زيد بن حارثة، فدعانا، فواللّه ما استجبنا له، و لا خير لنا، قال، و قد كنا سمعنا به و بدعائه في الموسم، فوقف علينا يدعونا، فلم نستجب له، و كان معنا ميسرة بن مسروق العبسي، فقال: أحلف باللّه لو صدّقنا هذا الرجل و حملناه حتى نحلّ به وسط رحالنا لكان الرأي، فأحلف باللّه ليظهرنّ أمره حتى يبلغ كلّ مبلغ، فقال له القوم: دعنا عنك لا تعرّضنا لما لا قبل لنا به، فطمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في ميسرة، فكلمه، فقال ميسرة ما أحسن كلامك و أنوره، و لكن قومي يخالفونني، و إنما الرجل بقومه، فإن لم يعضدوه فالعدا أبعد، فانصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و خرج القوم صادرين إلى أهلهم، فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فدك، فإن بها يهود، نسائلهم عن هذا الرجل، فمالوا إلى يهود، فأخرجوا سفرا لهم، فوضعوه، ثم درسوا ذكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) النبي الأمي العربي، يركب الجمل، و يجتزىء بالكسرة، و ليس بالطويل و لا بالقصير و لا بالجعد و لا بالسّبط، في عينيه حمرة، مشرّب اللون، فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه، و ادخلوا في دينه، فإنا نحسده فلا نتبعه، و لنا منه في مواطن بلاء عظيم، و لا يبقى أحد من العرب إلا اتّبعه أو قاتله، فكونوا ممن يتبعه، فقال ميسرة: يا قوم إن هذا الأمر بيّن، قال القوم: نرجع إلى الموسم فنلقاه، فرجعوا إلى بلادهم و أبى ذلك عليهم رجالهم، فلم يتبعه أحد منهم، فلما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة و حجّ حجة الوداع، لقيه ميسرة، فعرفه، فقال: يا رسول اللّه، و اللّه ما زلت حريصا على اتباعك من يوم أنخت بنا، حتى كان ما كان، و أبى اللّه إلا ما ترى من تأخير إسلامي، و قد مات عامة النّفر الذين كانوا معي، فأين مدخلهم يا نبي اللّه؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): كل من مات على غير دين الإسلام فهو في النار، فقال الحمد للّه الذي أنقذني، فأسلم فحسن إسلامه، و كان له عند أبي بكر مكان،- لفظ الحسن بن الجهم-.