دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢٩٦ - ما روي في عرض النبي (صلى اللّه عليه و سلم) نفسه على قبائل العرب
و قعدوا له صفّين على طريقه، فأخذوا بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجله و لا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، و هم في ذلك يستهزئون و يسخرون، فلما خلص من صفّيهم و قدماه تسيلان الدماء، عمد إلى حائط من كرومهم فأتى ظل حبلة [١] من الكرم، فجلس في أصلها مكروبا موجعا، تسيل قدماه الدماء، فإذا في الكرم عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة، فلما أبصرهما كره أن يأتيهما، لما يعلم من عداوتهما للّه و لرسوله، و به الذي به، فأرسلا إليه غلامهما «عدّاسا» بعنب، و هو نصراني من أهل نينوى [٢]، فلما أتاه وضع العنب بين يديه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): بسم اللّه، فعجب عدّاس، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): من أيّ أرض أنت يا عدّاس؟ قال أنا من أهل نينوى، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متى، فقال له عداس: و ما يدريك من يونس بن متى، فأخبره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من شأن يونس ما عرف، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يحقر أحدا يبلغه رسالات اللّه تعالى، قال: يا رسول اللّه أخبرني خبر يونس بن متى، فلما أخبره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من شأن يونس بن متى ما أوحي إليه من شأنه، خرّ ساجدا للرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم جعل يقبّل قدميه و هما تسيلان الدماء، فلما أبصر عتبة و أخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا له ما شأنك؟
سجدت لمحمد، و قبلت قدميه، و لم نرك فعلت هذا بأحد منا، قال: هذا رجل صالح حدثني عن أشياء عرفتها من شأن رسول بعثه اللّه تعالى إلينا يدعى يونس بن متى، فأخبرني أنه رسول اللّه، فضحكا و قالا: لا يفتنك عن نصرانيتك، إنه رجل يخدع. ثم رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى مكة.
[١] الحبلة: شجرة العنب.
[٢] نينوى: هي قرية نبي اللّه يونس بن متّى بالموصل في العراق.