دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢٧٤ - فأما قصة دخول بني هاشم شعب أبي طالب لما تحالفت قريش على أن لا يبايعوا بني هاشم و لا يناكحوهم و لا يخالطوهم و ما في ذلك من دلالته على نبوته (صلى اللّه عليه و سلم)
عهد اللّه و ميثاقه، فلم تترك فيها شيئا إلا لحسته، و بقي فيها ما كان من شرك أو ظلم أو بغي، فأطلع اللّه تعالى رسوله على الذي صنع بالصحيفة، فذكر ذلك لعمه، فقال أبو طالب: لا و الثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب، حتى أتى المسجد، و هو حافل من قريش، فلما رأوهم أتوا بجماعة أنكروا ذلك، فظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، و أتوهم ليعطوهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا و بينكم صلح، و إنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، [فبادر اللعين أن يأتيهم بحديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الذي أخبره اللّه به] [١] فأتوا بصحيفتهم معجبين بها، لا يشكّون أن الرسول مدفوع إليهم، فوضعوها بينهم و قالوا: قد آن لكم أن تقبلوا أو ترجعوا إلى أمر يجمع عامّتكم و يجمع قومكم، و لا يقطع بيننا و بينكم إلا رجل واحد قد جعلتموه خطرا لعشيرتكم و فسادكم.
قال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا فيه نصف [٢] بيني و بينكم، هذه الصحيفة التي في أيديكم، إن ابن أخي قد أخبرني، و لم يكذبني، أن اللّه عز و جل بعث عليها دابّة، فلم تترك فيها اسما للّه إلا لحسته، و ترك فيها غدركم و تظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث كما يقول فأفيقوا، فواللّه لا نسلمه حتى نموت عن آخرنا، و إن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا، فقتلتم، أو استحييتم، قالوا لقد رضينا بالذي تقول، و فتحت الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدوق قد أخبر خبرها قبل أن تفتح، فلما
[١] هذه العبارة التي بين الحاصرين مقحمة كما يظهر و هي غير موجودة في السيرة.
[٢] نصف: إنصاف.