دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ١٤٤ - جواز عملية الاستنباط من الحلقة الأولى
يسموا، فلا حجة فيمن لا يعرف من هو، و فيه الحارث بن عمرو و هو مجهول لا يعرف من هو، و لم يأت هذا الحديث قط من غير طريقه ...
قال البخاري: و لا يعرف الحارث إلا بهذا، و لا يصح. هذا كلام البخاري ;.
و أيضا فإن هذا الحديث ظاهر الكذب و الوضع، لأن من المحال البين أن يكون اللّه تعالى يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، و (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ)، و (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)، ثم يقول رسول اللّه ٦: إنه ينزل في الديانة ما لا يوجد في القرآن، و من المحال البين أن يقول اللّه تعالى مخاطبا لرسوله ٦: (لتبين للناس ما نزل إليهم)، ثم يقول رسول اللّه ٦: إنه يقع في الدين ما لم يبينه ٧، ثم من المحال الممتنع أن يقول رسول اللّه ٦: فاتخذ الناس رءوسا جهالا فأفتوا بالرأي فضلوا و أضلوا، جاء هذا بالسند الصحيح الذي لا اعتراض فيه ... ثم يطلق الحكم في الدين بالرأي، فهذا كله كذب ظاهر لا شك فيه.
و قد كان في التابعين الراوين عن الصحابة رضي اللّه عنهم خبث كثير و كذب ظاهر، كالحارث الأعور و غيره ممن شهد عليه بالكذب، فلا يجوز أن تؤخذ رواية عن مجهول لم يعرف من هو و لا ما حاله.
و لقد لجأ بعضهم إلى أن ادعى في هذا الحديث أنه منقول نقل الكافة، قال أبو محمد:
و لا يعجز أحد عن أن يدعي في كل حديث مثل هذا، و لو قيل له: بل الحديث الذي جاء من طريق ابن المبارك:" إن أشد الفرق فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال و يحلون الحرام"، هو من نقل الكافة أ كان يكون بينه و بين فرق؟ ...
فقول اللّه تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ)، فهذا هو الذي لا شك في صحته، و ليس فيه الرد عند التنازع إلا إلى اللّه تعالى و هو القرآن، و إلى الرسول و هو كلامه ٦، و لا ذكر القياس في ذلك، فصح أن ما عدا القرآن و الحديث لا يحل الرد إليه عند التنازع، و القياس أصلا ليس قرآنا و لا حديثا، فلا يحل الرد إليه أصلا، و باللّه تعالى التوفيق. مع أن هذا الحديث الذي ذكرنا من طريق معاذ لا ذكر للقياس فيه البتة بوجه من الوجوه، و لا بنص و لا بدليل، و إنما فيه الرأي،